الجمعة , سبتمبر 24 2021
الرئيسية / آراء / أحداث الريف بين الماضي والحاضر

أحداث الريف بين الماضي والحاضر

شهيد اليخليفي :

لعل من باب الفائدة، قبل الحديث عن الريف في الوقت الراهن، التذكير ببعض الجوانب الرئيسية للمجتمع المحلي في بعده التاريخي، إذ تعتبر معرفة الشروط والظروف التي كانت وراء ما تعيشه المجتمعات الحالية أمرا مساعدا على فهم الواقع، بل ويتعدها إلى التدقيقات والتوقعات المستقبلية.

إن بلاد الريف عموما، عبر تاريخها الطويل الممتد لقرون عديدة، واستنادا إلى ما كتب ودون من لدن المؤرخين والدارسين والباحثين، وما تواتر شفويا من الحكايات، كان بلادا للمقاومة والممانعة لكل محاولة تصبوا إلى تشتيت الشمل ونهب الخيرات.  فالريف كان مجال تنافس وصراعات، تخبو أحيانا وتطفح أحيانا أخرى، تبعا لما ينشأ من علاقات وترابطات بين قواه الداخلية، وبينه وبين القوى الخارجية. وكما لا يخفى على أحد فإن الريف قد كانت له صولات وجولات مع باقي شعوب البحر المتوسط كالفينيقيين والقرطاجيين والرومان والبيزنطيين والوندال ومن بعدهم الدولة الإسلامية (إمارة النكور 710– 1015 م)، ثم التنافس السياسي والعسكري مع دول المغرب الوسيط (الدولة الإدريسية والمرابطية والموحدية والمرينية ثم الدولة الوطاسية والسعدية)، وصولا إلى فترة ما قبل الحماية وما بعدها والصراع المزدودج مع القوى الامبريالية (إسبانيا وفرنسا) والدولة المغربية الحديثة.

الريف خلال فترة الحماية: مقاومة العدو والصديق العدو

لقد عاش الريف خلال العصر الحديث فترة عصيبة دونت في الكثير من المصادر التاريخية لصالحه. ذلك أن المنطقة كانت مسرحا للتنافس المستمر والمسترسل بين الأوربيين الذين نقلوا صراعاتهم مع المسلمين نحو الضفة الجنوبية من المتوسط، إما دفاعا عن حدودهم الجنوبية أو بحثا عن الثراء والغنى، فقد تكالب الأوربيين ولاسيما الفرنسيين والإسبان على الساحل الريفي خلال القرن التاسع عشر، أي خلال فترة الحماية، بحثا عن موارد جديدة وما تلا ذلك من حروب طاحنة دحرت الجيوش الاسبانية (معركة أنوال 1920). وتوجت بإعلان جمهورية الريف التي استمرت خمس سنوات، واجهت  دولتين استعماريتين: اسبانيا وفرنسا ولفيفا من العملاء المغاربة، فمن بين 150 ألف جندي فرنسي انضموا إلى نظرائهم الأسبان كان هناك 133 ألف مغاربي أو مغربي.. (حسب ما أورده بعض المؤرخين الأسبان) استمرت هذه الدولة الناشئة في مقاومة شاملة وغير معهودة في تاريخ الاستعمار الغربي لبلداننا، إلى أن شنت إسبانيا بمعية فرنسا في غشت 1925 هجوما جويا بالغازات السامة التي قضت على عدد كبير من المقاومين وسكان القبائل، وبعدها تيسر لاسبانيا النزول بميناء الحسيمة، وتم فرض العقوبات على جمهورية الريف.

بمجيئ الاستقلال الريف الصامد يؤدي ضريبة مقاومة العدو وتحرير البلاد

بمجيئ الاستقلال وإعادة توحيد البلاد التي أدت عنهما قبائل الريف ضريبة باهظة الثمن (خصوصا أثناء انتفاضة أكتوبر 1955)، كان السكان يأملون في تجهيز منطقتهم وتوفير الشغل لأبنائهم، خاصة وأن المخلفات الاستعمارية الإسبانية بالريف لم تساهم قط في توفير آليات استقرار الإنسان في هذا المجال، من قبيل البنيات التحتية والمشاريع الصناعية والخدماتية، بل أن الإسبان عمدوا إلى استغلال الإمكانات الطبيعية المتوفرة والمتاحة خدمة لمصالحهم الاقتصادية والسياسية، دون أن تترك إرثا اقتصاديا معقولا قادرا على مساعدة الساكنة على الاستقرار واستغلال قدرات وخيرات المنطقة.

وقد حدث نفس الشيء تقريبا بعد حصول المغرب على الاستقلال، حيث تبنت السلطات السياسية في البلاد أسلوب السيطرة المخزنية، فدخلت في صراعات مجانية مع الريف، بحيث لم تثق بما فيه الكفاية في رجالات وشخصيات الريف الذين اعتبرتهم من دعاة الانفصال (إمارة الريف)، وردت بسلسلة من الإجراءات غير الحكيمة فأعطيت الأولوية للهاجس الأمني عوض الهاجس التنموي. وهكذا نشأت الأزمة الريفية التي بلغت ذروتها مع انتفاضة يناير 1959، وهي انتفاضة تم قمعها بقسوة في الشهر الموالي. نفس السيناريو تكرر مع انتفاضة 1984 المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، التي جوبهت بتدخل مخزني خلف العديد من القتلى والجرحى والاعتقالات.

بالانتقال إلى الزمن الراهن نجد أن العوامل والآليات المتحكمة في تحرك المجتمع المحلي للمطالبة بالحقوق هي نفسها منذ الاستقلال: الحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية. لكن وعوض العمل على تحسين الأوضاع المحلية تلجأ الدولة لأسلوب الجزر مرة أخرى، وفي ثلاث مرات في غضون سنة واحدة (قمع انتفاضة ساكنة بوكيدران يوم 10 ديسمبر 2010، أحداث 20 فبراير بالحسيمة و21 فبراير بإمزون، ثم أحداث بني بوعياش 2012، وقبلها قمع انتفاضة تماسينت 2005). من هنا نطرح سؤال الثابت والمتحول في تعامل الدولة الريف؟ وما هي البدائل المطروحة أمام المجتمع الريفي؟

الثابت والمتحول في سياسة الدولة بالريف

لقد ظلت سياسة الدولة المغربية وفية لنهجها في منطقة الريف، إذ أنها تجهله ولا تخصص له إلا نزرا يسيرا من المشاريع التنموية مع ما يرافق ذلك من سلبيات وحيف إزاء المنطقة، مقابل ذلك كثفت من أساليب المراقبة الأمنية وإضعاف مبدأ الممانعة والمطالبة بالحق الراسخ في أبناء الريف، وذلك عبر نهجها لمجموعة من السياسات التحكمية، منها:

 

  1. العصى لمن عصى: وهذه لا يختلف فيها اثنان؛

  2. سياسة “فرق تسود”: بالعودة قليلا إلى ما قبل الحماية، وأمام ازدهار نشاط القرصنة البحرية أو بالأحرى عمليات الجهاد البحري في البحر المتوسط، التي كان يقوم بها قراصنة بقوية الذين كانوا يعترضون السفن الأوربية العابرة لسواحل القبيلة، مما كان يخلق عادة أزمات سياسية بين الدولة المغربية والدول الأوربية التي كانت تطالب المغرب بدفع تعويضات عن الخسائر التي تتعرض لها سفنها جراء عمليات السطو التي ينفذها قراصنة بقوية. وهذا ما دفع بالسلطان عبد العزيز العلوي 1844-1908م، إلى إرسال القائد بشتى البغدادي الذي نجح في إقناع كبار قبيلة آيت ورياغل وباقي قبائل الريف بضرورة التعاون مع المخزن لشن حملة تأديبية ضد قراصنة بقوية وإخضاعهم لأوامر المخزن. في الوقت الحالي هذا الدور تقوم به أحزاب الدولة وبعض الجمعيات –المسماة تجاوزا مدنية- التي ما فتأت تساعد الدولة على خلق وتذكية الصراعات بالريف، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد دعوة حزب الاستقلال إلى تقسيم إقليم الحسيمة إلى وحدتين إداريتين، ثم محاولة حزب الأصالة والمعاصرة بسط سيطرته على منطقة الريف عبر ظواهره اللغوية التي تقيم في الرباط شتاءا وتصطاف في الحسيمة صيفا.

  3. المخططات: انتبهت الدولة مؤخرا إلى ضرورة نهج سياسة المخططات ودر الرماد في العيون للامتصاص جزء من غضب الجماهير الشعبية في الريف،  وليست مبادرة الإنصاف والمصالحة إلى واحدة من خطط سياسة الهروب إلى الأمام والعمل بمقولة : “كم من حاجة قضيناها بتركها”، ثم أليس ما يسمى بمشروع إعادة هيكلة مدينة بني بوعياش وإمزورن الذي انطلق مباشرة بعد قمع أحداث بني بوعياش جوابا على تخبط الدولة في الريف وعدم امتلكها لمشروع مجتمعي واضح المعالم؟

إن مسألة التنمية بالريف مسألة الجميع وقضية تتطلب مساهمة الجميع، ولا يمكن بأي حال من الأحول أن تتحقق عن طريق عمليات الإحسان والمعروف والصدقة، ولكن يمكن تحقيقها عن طريق  تظافر مختلف الجهود والإيمان بالطريق الذي نسلكه منذ تحرير الريف من جهة، وقطع الطريق أمام يسترزقون على الريف ويتوسلون عند قصور أسيادهم من جهة أخرى. وأختم بمقولتين اثنتين:

  • “ما هموني غي الرجال إلى ضاعوا”؛ ناس الغيوان.

  • “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية”. غسان كنفاني.

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

3 تعليقات

  1. fariiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiid rifi

    MA9al jayiiiid khoya chahiiiiiiiiid wassil

  2. fatrat al7imaya imtadat ma bayn sanatay 1912 wa1956 ay khilala l9arn 20 mon ami machi f l9arn 19

  3. tahya nidalya ila kol man 9adama da3moh aw afkaroh aw dmoh kthaman lidifa3 3an rif wa7oryatih

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *