الخميس , سبتمبر 16 2021
الرئيسية / آراء / الريف و”المعتوه”

الريف و”المعتوه”

عماد العتابي :

الريف تلك المساحة الشاسعة شمال المغرب، هذه البقعة الأرضية التي ظلت أبية وشامخة شموخ جبالها وتضاريسها الصعبة، العصية عن الترويض والمتمردة على التدجين، لن يجادل أحد من الداخل أو الخارج في طهارة تربتها التي سقيت بدماء الآلاف من الشهداء الذين سقطوا دفاعا عنها ضد أي “قوم” أراد سرقتها أو احتلالها وما حرب الريف الشعبية التحريرية ضد الاستعمار الاسباني الفرنسي لخير شاهد على بسالة وأنفة أهل الريف.

لقد خاض الريفيون صراعا مريرا وتاريخيا بعد “الاحتقلال” ضد النظام الاستبدادي القائم في البلد، وكانت محطة 58-59 المجيدة بداية عزل الريف وحصاره سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا، فبعيد هذه المحطة التاريخية نهج النظام سياسة التجويع لتشجيع الساكنة على الهجرة نحو أوروبا واخلاء المنطقة من الطاقات البشرية التي تشكل الخطر الحقيقي على النظام، تلك الهجرة التي عادت بالخير على أهل المنطقة واستطاع الريفيون (المهجرون) بعصاميتهم فتح قنوات لتمديدات مالية-اقتصادية كسرت الحصار والطوق الاقتصادي الذي فرضهما النظام على الريف عقابا على تمرده ضد سياسات النظام الغبية، في حين كانت الأجيال تبني صرحا سياسيا وثقافيا في الخارج حيث برزت نخبة سياسية، حقوقية واقتصادية خلخلت موازين القوى ودفعت بالمركز إلى تغيير سياسته تجاه الريف ولو بشكل بسيط، لأن سياسات النظام لا يمكن التأثير فيها كليا لاعتبارات تفرض تدخل كل مكونات الشعب المغربي الذي يعاني بدوره من هذه السياسات.

لن يختلف اثنان في التضحيات الجسام التي قدمها أهل المنطقة والشعب المغربي على العموم وما عانه من ويلات جراء الحملات التأديبية القاسية التي قادها هذا النظام ضد أحرار هذا الوطن، وبالمقابل لن ينسى الوطن خيانات بعض أبناءه وتنازلات البعض الآخر والاسترزاق المفرط باسم الريف والريفيين الذي أصبح موضة العصر حيث صار الاسترزاق “ماركة مسجلة” على جبين بعض الأسماء التي باعت الجمل وما عليه.

ولازالت المعاناة والتضحيات تلو الأخرى مستمرة، ولا زال الزج بالأبرياء والأحرار في غياهب المعتقلات والسجون مستمرا، ولا زال الريف يتبوأ المرتبة الأولى على الصعيد الوطني في تقديم الشهداء والمعتقلين والتضحيات ويدفع الضريبة الأكبر في كل هبة جماهيرية، ولا زال نفس الجبناء والخونة يساومون على حساب دموع الثكالى وأمهات المعتقلين.. ويستمر نفس السيناريو ويعاد نفس الشريط الرديء الاخراج، ففي كل مرة نقول فيها أنها نهاية المعاناة يخرج من وسطنا “معتوه” آخر يتحدث باسمنا ويقدمنا قرابين “للمعبد الكهنوتي” ويطوي صفحتنا في الكتاب الذهبي الموجود في المعبد…

فلا يسعني إلا أن أتحسر على حالنا وما آلت إليه ظروفنا وأن ألعن هذا الصمت المطبق وهذا الارتكان إلى زاوية الجبن والجهل الذي ساهم في تشتيت انتباهنا ووحدتنا وزاد من شروخ التفرقة والتقسيم وتجزيء ما لا يجزئ أصلا.. لكني لن أحمل المسؤولية لأنفسنا رغم كوننا نتحمل قسطا منها، المسؤولية على عاتق ذلك “المعتوه” نفسه الذي أشهر في وجوهنا أنيابه واعتقدنا أنها ابتسامة صديق ومدافع شرس عن حقوقنا ومطالبنا، لكن هيهات فالليث لا يبتسم إنما يكشر عن أنيابه ليجهز على ضحيته.

نسيت أن أعرف بمصطلح الـ”معتوه”، فهذا المعتوه الذي أتحدث عنه هنا، هو ذاك الكائن الذي يسير بجنبك لأميال على قدميه طبعا ويكون رفيق دربك ويردد معك الشعارات الثورية وفجأة ينقلب على بطنه ويغير الوجهة والهدف، وغالبا ما يغير وجهته نحو الرباط فيزحف  على بطنه من الريف نحو تلك الوجهة…

وغالبا ما يعشق هذا الكائن ركوب شيء ما، مثل الركوب على الأحداث، وركوب الأمواج والزوبعات التي تحدث في الفناجين وقد بدى لي مؤخرا أنه يعشق ركوب “التراكتور”…

وبما أن الموسم السياسي سيكون ممطرا بالأحداث، خاصة أن الريف أرض خصبة وهضابها الشاسعة تسيل لعاب “التراكتور” الذي يبحث عن الأراضي الخصبة لحرثها واستقطاب المزيد من “الشوافرية” المحليين لدفع عجلات “التراكتور” الغليظة الثقيلة..

فإن الغلة هذا الموسم ستكون كبيرة، علما أن “مول التراكتور” يزرع كل موسم سياسي الوهم والكذب وسيحصد كعادته “الشوك” و “البرد”…

ولنـــــــــــا عـــــــودة…

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

تعليق واحد

  1. مـــراد

    مصيبتنا يا أخي أن الريف فرقته الأحزاب و خربته الحالقيات الشرقية و الغربية رغم هذا فلن يشفى الجرح حتى نسير على درب المجاهديين الذين حاربوا الإستعمار . حتى يعود الريف إلى طبيعته و هيبته يجب محاربة الأحزاب و الخونة و المرتزقة من الفاعليين الجمعويين الذين يخدمون الطواغيط المستعمريين و الغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *