الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / آراء / قراءة في الأزمة المرحلية لحركة شباب 20 فبراير

قراءة في الأزمة المرحلية لحركة شباب 20 فبراير

 طارق بن محمد :

     بالرغم من أن حركة 20 فبراير ما تزال مستمرة في خرجاتها و أنشطتها النظالية في العديد من المدن المغربية, الا أنها فقدت الكثير من زخمها .انها تعيش في أزمة .

 فشعور التفاؤل الذي اجتاح الشباب في بداية الحركة , تحول اليوم الى شعور بالتردد و الشكوك و الأسئلة.ان هذه الأزمة التي وصلت اليها حركة 20 فبراير يتطلب منا تقديم تحليل و تقديم بالتالي ايجابات واضحة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع, من قبيل  :

 لماذا وصلت الحركة الى ما وصلت اليه ؟

 لماذا لم تتمكن من تحقيق مطالبها ؟

 و ماهو المخرج الممكن ؟؟

بالرغم من هذا التراجع و هذه الأزمة التي تعيشها الحركة فمن المبكر جدا التحدث عن موة الحركة , فموجات المد و الجزر محطات طبيعية في أي حركة. و هذا الركود المؤقت ما هو الا تحضير لنهوض جديد أكبر و أعمق. و من أجل التحضير لموجة المد الحتمية التي ستأتي أقرب بكثير مما يتوقع العديد من المتشأمين , علينا أن نفهم أسباب هذه الأزمة و طرق تجاوزها , و كذلك استيعاب دروس الموجة الأولى. وفي هذا السياق نفضل تقسيم تلك الأسباب الى موضوعية و ذاتية , وبالرغم من ايماني بأن العوامل الذاتية هي المحدد في قدرة الحركة أو عدم قدرتها على الاستمرار , فانني سأبدأ بالاشارة الى ما أعتبره أهم العوامل الموضوعية التي ساهمت في ايصال الحركة الى ما هي عليه اليوم .

العوامل الموضوعية     :

أولا:  سيطرة أبناء الطبقة المتوسطة منذ البداية على قيادة الحركة في أهم معاقلها , وخاصة الرباط و الدار البيضاء. سيطرة هؤلاء الشباب المدلل المتمرد ,اللذين نصبوا أنفسهم زعماء للحركة ,و اللذين وجدوا أن من حقهم أن يحددوا سقف مطالب الحركة , و أشكالها النضالية ,و أمام غياب الرؤية الواضحة لديهم , و هيمنة عليهم المواقف المتذبذة , نضرا لموقعم الطبقي و مصالحهم , يمنعهم من أن يكونوا أكثر من متمردين راديكالين , فهم من جهة يكرهون الرأسمال الكبير , الذي يهدد أبائهم بالافلاس , لكن من جهة أخرى لايرون مخرجا في تغير النظام القائم بل فقط في اصلاحه  , عبر تطبيق القانون “” و المساواة أمام القانون ” و الفصل بين السلطة و الثروة “” و الشفافية “”الخ..أي فرض الحل السحري , الذي يمنع الرأسمال الكبير من افتراسهم , و جعله يسمح لهم من أن يشاركوه الامتيازات و الثروة واعتصار العمال بكل ديمقراطية و شفافية.

ثانيا : الأحزاب الاصلاحية بدورها لم تكن غائبة عن هذه السيرورة , فقد عبأت كما هي العادة كل قواها لكي تنصح الحركة ب التعقل و الاعتدال. و تحالفت مع النظام في تقييد الحركة و خلق البلبلة في وسطها بنشر الأوهام حول الاصلاحات و منافع الملكية و الدستور الخ …

 ليس لهذه القوى الاصلاحية من أهمية في نظر الطبقة السائدة الا اذا قامت بتنفيذ تلك السياسات الكابحة  لنظالات الجماهير , من خلال استغلالها لمواقعها في النقابات العمالية على وجه الخصوص لمنع تطورها .

ثالثا: من بين العوامل الأخرى أيضا التي أدت الى عزل الحركة عن قاعدتها خاصة في الأحياء الفقيرة و القرى المهمشة هناك المنظمات و الجمعيات الغير الحكومية , التي لعبت دورا مهما في تمرير مختلف المخططات التدمرية , من خلال سهرها على تقديم  الصدقات للمتضررين من تلك السياسات . انها جمعيات تكرس عقلية التسول و الصدقة بدل عقلية النضال و انتزاع الحقوق و الكرامة. و بالرغم من أن المهدئات لا تداوي السرطان لكنها تمكن المريض به من تحمل الألم لكي يموت في صمت فلا يزعج بصراخه الأخرين .

رابعا:  في سياق العوامل التي أدت بالحركة الى المأزق الحالي لايمكننا أن نتجاهل دور المناورة التي  قامت بها العدل و الاحسان من خلال الالتحاق بالحركة و المساومة بها ثم مغادرتها بعد أن قضت حاجتها منها . لا يمكننا أن ننكر انعكاس ذلك الانسحاب على شباب الحركة الذين كانت لديهم أوهام حول الجماعة. كما لا يمكننا أن ننكر الأثر المدمر الذي كان لتعبئتها ضد الحركة بعد ان انسحبت منها , لأنها ظهرت أكثر مصداقية من هجمات الأعداء الأخرين الذين حاربوا الحركة مند البداية , لأن هجمات الجماعة ضد الحركة في الأحياء و مواقع التواصل الاجتماعي , الخ.. ظهرت و كأنها ” شهادة شاهد من أهلها ” .

أخيرا , يضاف الى كل هذه العوامل الموضوعية  قدرة النظام على تغيير أقنعته و المزاوجة بين القمع و التنازلات الوهمية . لقد راكم النظام و اسياده الامبرياليون الكثير من التجارب بخصوص كيفية قمع الثورات و احتوئها . هذا ما اتضح من تعامله مع الحركة منذ البداية . لم يرم  بكل أوراقه مرة واحدة , بل قام بتقسيم  الأدوار بين مختلف أبواقه و عملائه و أجهزته ” المنابر الدنية ” الاعلامية ” الجهاز القمعي””…

وكذلك تطبيقه لسياسة احتواء القيادة المزعومة للحركة بستدعائهم لبرامجهم التلفزيونية وغير ذلك …اضافة الى خرجات الملك من الحين و الأخر , التي توجت باصلاح الدستور . وقد تمكنت هذه المناورات من تقسيم  الحركة وزرع البلبلة و الغموض في صفوفها.

العوامل الذاتية   :

       من أهم العوامل الذاتية التي أدت الى دخول حركة 20 فبراير في هذه الأزمة غياب التنظيم و الوعي . أعني بالتنظيم عجز الحركة او عدم رغبة و قدرة بعض مكوناتها , عن خلق أجهزة تنظيمية محلية و جهوية و وطنية .فبعد اكثر سنة من انطلاقها لم تعمل الحركة على تشكيل مجالس محلية للحركة لها امتداد في الأحياء العمالية و الجامعات و الثانويات , وهيئة لتنسيق الجهوي و الوطني , و انتخاب القيادة المحلية الجهوية و الوطنية بطريقة ديمقراطية بحيث تكون للجمع العام الحق في مراقبتها و حتى عزلها .ان التوفر على مثل هذه القيادة المنتخبة و القدرة على مراقبتها و توجيهها من تحت   ضروري لاعطاء الحركة معبرا ديمقراطيا و لتوحيد التحرك جهويا ووطنيا , وسد الباب على كل من هب و دب لتطفل على قرارات الحركة . و بالارتباط مع هذا العامل التنظيمي هناك عامل الوعي .اذ بالرغم من امتلاك الحركة للعديد من الشعارات و المطالب الصحيحة كمحاربة الفساد و اسقاط الاستبداد ,,, فانها لاتملك تصورا واضحا لمضمون هذه الشعارات و لا لكيفية تنفيذها و طبيعة البديل الذي تقدمه . اذ شكل غياب التدقيق في الشعارات و مضمونها في البداية نقطة قوة , لأنه ضمن و حدتها و التفاف العديد من المكونات حولها , لكن في  المسيرة النظالية للحركة ومع أن كل طرف يفهم تلك الشعارات و المطالب من منطلقاته و خلفيته الفكرية , أصبح هذا الاختلاف في المرجعية عاملا معرقلا لتطور الحركة و استمرارها.

 و مع شدة القمع و انتشار الأوهام  بشكل واسع أصيب الزعماء العرضيين الذين ساهموا في ايقاض الحركة بدهشة و بالرعب من عضمة وجبروت القوى التي أثروها , فقرروا أن يعيدوا العفريت الى القمقم من جديد .

 كما ساهم ضعف اليسار وانتشار الاوهام و الاصلاحية في صفوفه في اضعاف قدرة الحركة على الاستمرارية . فالحركة المفرطة و غياب التصور النظري وقلة الخبرة جعلت من المناضلين منفعلين بالحركة اكثر من كونهم فاعلين فيها. كما أن تلك الأحزاب اليسارية عموما ضعيفة و قليلة التأثير لحد الأن , و ماتزال قيادتها تتخبط في كل أنواع الأوهام النظرية و التنظيمية , ذات الأصول الستالينية  الماوية .فأغلبية تلك الأحزاب و التيارات تفجأت بالمد الثوري الجماهري , و بعضها ما يزال لحد الأن لا يصدق أن هناك شعب ينتفض.

     بالرغم من كل جوانب الضعف هاته فان هذا لايعني أن النظام قد انتصر و الحركة توقفت. ان العوامل التي أدت الى انفجار الوضع مازالت قائمة بل و تتعقد يوم بعد يوم .فمطالب الجماهير لم تلب بعد , و النظام عاجز عن تقديم أي بديل. ان النتيجة الحتمية من وجهة نظري في ضل هكذا ظروف هي عودة الجماهير الى احتلال الشوارع بعد فترة قصيرة من الجمود النسبي الذي ستقوم من خلاله الجماهير باستيعاب دروس الموجة الأولى . انها مرحلة و فقط أو فترة في مسيرة , فمانعيشه اليوم على الصعيد العالمي ليس المغرب بمنأى عنه.

      [email protected]

 

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *