الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / آراء / الجماعات المحلية وتفعيل سياسات التنمية المحلية: نحو تجاوز الإكراهات والتأسيس لتدخل جماعي حقيقي في ميدان التنمية المحلية

الجماعات المحلية وتفعيل سياسات التنمية المحلية: نحو تجاوز الإكراهات والتأسيس لتدخل جماعي حقيقي في ميدان التنمية المحلية

اليخليفي شهيد :

(حالة الجماعات القروية لإزمورن – الرواضي – سنادة – بني بوفراح)

 

الجماعات المحلية أداة سياسية لتفعيل سياسات التنمية المحلية: أخذت الجماعات المحلية على عاتقها، منذ تأسيسها، تنفيذ مشاريع تنموية وذلك بتسخير كل الطاقات الكاملة وتعبئتها وتأطيرها واستغلالها أفضل استغلال من أجل تحسين الأوضاع السوسيو-اقتصادية للسكان. وتسعى هذه الجماعات اليوم إلى ترشيد ثرواتها، لاسيما وأنها تشكل الجزء الأكبر من مداخلها. لكن هذه المبادرات تظل محدودة وتحتاج إلى نفس ومشجع جديدين، ويتمثل ذلك في المنتخبين الذين يجب أن يكونوا في مستوى التحديات المطروحة عليهم وبرمجة خطط عمل ومناهج جديدة لتحريك الآليات المحلية.

العوائق التي تحد من أهمية مساهمة الجماعات المحلية في التنمية المحلية

تعتبر الجماعات المحلية، بما تتمتع به حاليا من صلاحيات، الإطار المناسب لبلورة المشاريع التنموية الجديرة بالتطبيق نظرا لاحتكاكها أكثر من غيرها بواقع الرقعة الجغرافية المحدودة، وهي بذلك أدرى بطموحات وحاجيات سكانها. إلا أن معظم الجماعات المحلية حاليا لا ترقى إلى مستوى التخطيط الحقيقي لعملية التنمية المحلية.

ولتتبع وتقييم تجربة الجماعات المحلية في ميدان التنمية المحلية بالمجال الساحلي-إزمورن حسب أراء الساكنة المحلية، فإن الكثير منهم (حوالي 95%) لم يخفوا انزعاجهم من عزوف الجماعات المحلية عن خدمة التنمية المحلية سواء على مستوى تحفيز وإنعاش الاقتصاد المحلي والتشغيل، أو على مستوى توفير وصيانة وتدبير المرافق والتجهيزات الجماعية الاجتماعية والثقافية والرياضية… فما هي إذن الأسباب العوائق التي تحد من دور الجماعات المحلية في تحقيق التنمية المحلية؟

أ‌.       التكوين العلمي لبعض  منتخبيها لا يسمح بإيجاد نظرة شمولية للتنمية المحلية والجهوية

إن تعقد العمل الجماعي وتنوعه يفرض توفر المستشارين الجماعيين على مستويات تعليمية وثقافية مقبولة. تيسر لهم القيام بمهامهم الجماعية بشكل جيد.

يظهر أن المستوى التعليمي في عمومه إيجابي. ذلك بأن لأكثر من 62% من مجموع المستشارين بمجموع المجال المدروس مستوى الثانوي-الإعدادي فما فوق، بحيث يغلب المستوى الثانوي الإعدادي على أعضاء المكاتب الجماعية، ويليه في الأهمية المستوى التعليمي العالي.

يعتبر هذا الواقع عاملا إيجابيا في تيسير التدبير المحلي وإيجاد الحلول للمشاكل المطروحة. لكن لبد من الوقوف عند ملاحظة أساسية تتجلى بوضوح في حالة جماعة بني بوفراح إذ نجد أن أزيد من 53% من أعضاء المكتب الجماعي يقل مستواهم التعليمي عن المستوى الإعدادي الثانوي، بل وأن 40% منهم أميين.

لذا ينبغي أن نعني هذه المسألة والتي تربطنا حتما بمغزى الديمقراطية وما يجب أن تكون عليه الجماعات المحلية، وخاصة الأعضاء المنتخبين الذين يرهنون مستقبل الجماعات لمدة طويلة ويفوتون عليها فرص إنجاز عدة مشاريع حيوية. ونلمس حاليا هذه الظاهرة من خلال التباين الواضح في وتيرة التنمية من جماعة محلية لأخرى دون أن يرتبط ذلك بوفرة مواردها أو قلتها. وهنا نعطي مثال جماعة إزمورن التي عرفت حركة تنموية دءوبة في السنوات الأخيرة.

ب‌.   ضعف انخراط الشباب في العمل السياسي يحد من استثمار قدرات الشباب في تدبير الشأن المحلي

يمثل الشباب الطاقة الجسدية والنفسية والفكرية المؤهلة لكل الخيارات، ودعامة التنمية والتحديث وبوابة التغيير، ففي مرحلة الشباب يبرز الطموح عاليا في إثبات الذات والتعبير عن الإرادة. لكن هذا، وبالنظر إلى التركيبة العمرية للمجالس الجماعية بمنطقة دراستنا، لم يحدث ما يسبب في أغلب الحالات فقدان هذه الطاقات الشابة وتعثر العمليات التنموية على المستوى المحلي.

الجدول رقم 1: التركيبة العمرية لأعضاء المجالس الجماعية بالمجال الساحلي إزمورن-بني بوفراح

60 سنة فأكثر

50 – 60

40 – 50

30 – 40

أقل من 30 سنة

الجماعات

2

5

3

2

1

إزمورن

1

2

5

5

2

الرواضي

2

5

6

1

1

سنادة

4

5

4

1

1

بني بوفراح

                                                                                     المصدر: قسم الجماعات المحلية بعمالة إقليم الحسيمة؛ 2011.

فانطلاقا من الأرقام التي يحملها (الجدول رقم 24) نستنتج أن البنية العمرية للمستشارين بجل جماعات المجال الساحلي إزمورن-بني بوفراح تسير نحو هيمنة الفئات العمرية التي تزيد عن 50 سنة. فعلى سبيل المثال نجد أن  بجماعة بني بوفراح لا تشكل الفئة العمرية التي يقل سنها عن 39 سنة سوى 40% من مجموع نسب الفئات العمرية الأخرى.

ج‌.    ضعف ميزانيات الجماعات

تنقسم الميزانية إلى نوعين، فهناك ميزانية التسيير التي يقصد بها المداخيل الذاتية للجماعة ومداخيل الضريبة على القيمة المضافة، وكذا ميزانية التجهيز التي تتشكل من الفائض المحقق ومن القروض الممنوحة من طرف المؤسسات المالية التي من بينها صندوق تجهيز الجماعات المحلية.

وبالنسبة لميزانية الجماعات المحلية بالمجال الساحلي إزمورن-بني بوفراح فتتشكل بالأساس من حصة الضريبة على القيمة المضافة ومداخيل كراء المحلات التجارية والأسواق الأسبوعية وبعض مقالع الحجارة والرمال (خاصة بإزمورن وبني بوفراح)، ثم مداخيل أخرى مختلفة.

 

الجدول رقم 2: نوعية وقيمة مداخيل جماعة إزمورن سنة 2009

النسبة %

المبلغ المدرج في الميزانية

نوع المداخيل

17,96

524 880.00

مداخيل الجماعة

81,97

2 395 000.00

الضريبة على القيمة المضافة

0,07

20 00.00

أخرى

100

2 921 880.00

المجموع

                                                   المصدر: منوغرافية جماعة إزمورن؛ 2009.

يعتبر ضعف المداخيل من العوامل الرئيسية التي تؤثر في عمليات التهيئة ، وهو عامل من شأنه أن يحد من التنمية، فتنفيذ البرامج وتوجيه المشاريع يكون مرتبط بمدى إمكانية الجماعات القروية وبأهمية مداخيلها، وبما أنها تتميز بضعفها فإن ذلك ينعكس على مستوى الإعداد والتنمية على الصعيد المحلي، لذا تلجأ لأخذ قروض من صندوق التجهيز الجماعي لتغطية حاجياتها ما يساهم في إثقال كاهل الجماعات المحلية وتأخرها عن قطار التنمية.

د‌.      مصاريف تخص التسيير بالأساس أما التجهيز فلا يحظى إلا بنزر يسير على مستوى الميزانية

إن الجماعات القروية المحلية بالمجال الساحلي إزمورن-بني بوفراح تنفق على التسيير أكثر مما تنفق على التجهيز، حيث يظهر الفرق واضح بين المصاريف، فعلى سبيل المثال صرفت الجماعة القروية لبني بوفراح في ميدان التسيير سنة 2010 حوالي 85% من ميزانية الجماعة.

تحتل مصاريف التسيير نسبة مهمة من بين مصاريف الميزانيات مما يؤثر على إمكانيات تمويل ميزانية التجهيز، بحيث تتميز مصاريف التجهيز بالنسبة لميزانيات جماعات المنطقة المدروسة بعجزها المتزايد عن تمويل مشاريع التنمية المحلية،  وبالتالي تبقى الجماعات المحلية بعيدة هن المساهمة بكيفية ناجعة في إعداد وتنمية التراب المحلي. فمصاريف التجهيز بالنسبة لجماعة سنادة، على سبيل المثال، مثلت سنة 2008 حوالي 22,91% من مجموع مصاريف الجماعة ثم تراجعت إلى حوالي 13,24% سنة 2009.

وهكذا يتضح أن الجماعات المحلية بالمجال المدروس، تشكو من محدودية مواردها الذاتية، مما يجعل دور هذه المجالس محدود على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بل أن الضرائب والرسوم كثيرا ما يتأخر استخلاصها، مع العلم أن مبالغها تكون قد برمجت في إطار ميزانية السنة.

فمشكلة العجز المالي لا تسمح للجماعة المحلية بانجاز المشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل برامج الإعداد الترابي وتحقيق طموحات سكانها، ويقتصر دور الجماعات في ميدان التجهيز على بناء بعض الدكاكين والبنيات الإدارية وبعض مشاريع الطرقات والماء والكهرباء. هذا، بالإضافة إلى كون الجماعات المحلية بالمغرب في عمومها تعاني من المراقبة الصارمة لسلطة الوصاية، سواء على مستوى اقتراح المشاريع ذات الطابع المحلي أو تنفيذها ومن ضمنها الميزانية، وكذلك على مستوى منح القروض والإعانات المختلفة.

إن عمليات التهيئة والإعداد بالنسبة للجماعات المحلية تتطلب رفع المصاريف المخصصة لإقامة تجهيزات أساسية وتشجيع الأنشطة الاقتصادية، لأن التنمية تستوجب تلبية حاجيات الساكنة في المجال الاقتصادية وتطوير الخدمات، مع مراعاة الشبكة الطرقية التي هي أصلا ضعيفة وفي حاجة إلى تأهيل لفك العزلة عن المنطقة على غرار توفير شبكة الكهرباء للسكان الذين لم يستفيدوا بعد من البرنامج الوطني لكهربة العالم القروي، وكذا تزويد الساكنة بالماء الشروب وغيرها من الخدمات، وهذا يحتاج طبعا إلى إعادة النظر في سياسة التهيئة وضرورة تبني إستراتيجية جديدة على المستوى الجماعي تتماشى مع الإصلاحات التي جاء بها القانون الجماعي الجديد.

تفعيل مقتضيات الميثاق الجماعي الجديد فرصة لتدخل جماعي حقيقي في ميدان التنمية

إن الجماعات المحلية بالمغرب، وإن كانت تعتبر هي الأقرب إداريا ومجاليا لتفعيل الرهانات التنموية المحلية، فإنها مازالت لم تصل إلى المستوى المطلوب لاسيما وأن تحديات كثيرة تواجهها من خلال مجموعة من الميادين والمجالات المرتبطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يشكل التحدي الرئيسي للحكامة الجيدة التي يمكن اعتبارها الأرضية القاعدية لأي مشروع تنموي فاعل وهادف، تريد الجماعات المحلية بلورته على أرض الواقع.

ولهذا، فإن التفكير في الحكامة الجيدة يتطلب إعادة النظر في مجموعة من الضوابط والميكانيزمات التي تؤطرها، والمتجلية من جهة الجماعات المحلية في توفير مجال ترابي معقلن ومؤهل لاستيعاب الخطط والبرامج التنموية المبنية على المنهجية التشاركية لكل الفاعلين الاجتماعيين المحليين.

إن تفعيل دور الجماعات المحلية في ميدان التنمية المحلية ينم إذن عن ضرورة نهج أسلوب تدبيري عصري يتماشى مع مقتضيات الميثاق الجماعي لسنة 2002 والمعدل سنة 2008 الذي خول الجماعات المحلية صلاحية واسعة في ميدان التهيئة والتنمية الاقتصادية وإشباع حاجيات الساكنة من تجهيزات أساسية وخدمات عمومية. وهذا لن يتأتى إلاّ من خلال إعداد مجال محلي متناسق وتجاوز التفاوتات والفوضى المجالية، انطلاقا من المخططات الجماعية للتنمية ترتكز على أساس توجهات واضحة تحددها دراسات ومخططات التهيئة والتنمية المضبوطة والمبنية على مبدأ المشاركة الايجابية للجماعات المحلية رفقة الأطراف الأخرى المعنية دون تمييز فيما بينها. وذلك بهدف الحد من النمو الغير المتجانس للمجالات القروية وتحقيق مبتغى التنمية القروية المستدامة.

وتجدر الإشارة في الختام إلى أن تنمية المجالات المحلية مسألة أساسية لا يمكن أن تتم إلا إذا حدث تغيير على مستوى الشروط السياسية المؤطرة لتنمية المجال الوطني. فهناك ضرورة توفير الإرادة السياسية لدى المسؤولين أولا والوسائل المادية ثانيا. فيجب أولا أن نعني أهمية تنمية أي منطقة ثم أن نتحمل مسؤولية تنميتها. وهذا ما أقصد بالإرادة السياسية.

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *