السبت , سبتمبر 25 2021
الرئيسية / آراء / إضاءات حول تطور الجهوية بالمغرب (الجزء الأول)

إضاءات حول تطور الجهوية بالمغرب (الجزء الأول)

محمد العزوزي :

منذ أكثر من أربعة عقود، بدأ تداول مفهوم الجهوية في الخطاب السياسي والإقتصادي المغربي، وقد تغيرت دلالته ورهاناته حسب الظروف والأزمنة التي طرح فيها. وأصبحت الجهوية خاصة في السنوات الأخيرة، ضرورة يقتضيها التطور السياسي والعمراني والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وغدا مطلبا ملحا لجميع المغاربة. وكانت بوادر تبني الدولة المغربية للجهوية منذ السنوات الأولى للإستقلال، حيث اعتبر ظهير 16 يونيو 1971 الجهة في الفصل الثالث منه بأنها إطار اقتصادي لتنفيذ و تنسيق الأشغال و الدراسات المتعلقة بالمناطق و العمل على ازدهارها، فيما اعتبر المنطقة حسب الفصل الثاني بأنها مجوعة من الأقاليم تربط بينها على المستوى الإقصادي و الإجتماعي، للسهر على إنجاز البرامج قصد تحقيق التنمية المنسقة و المتوازنة لمختلف أجزاء البلاد.
وقسم المغرب سنة 1971 إلى 7 جهات “اقتصادية كبرى”. و من الملاحظ في هذا التقسيم أنه احترم حدود الفخدات التي ترجع إلى فترة الحماية عبر قرارات الإقامة العامة 1926-1946. وبذلك فتقسيم 1971 كان ذا توجه سياسي واضح المعالم، إعتمد أساسا على مقاربة أمنية للمناطق، مرجعها قرارات الإقامة العامة الفرنسية التى أخضعت مايسمى بلاد السيبة في مغرب ماقبل الحماية لسيطرتها. فمباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية سارع الفرنسيون إلى تطبيق خططهم المتمثلة في بسط السيطرة على مراكز القوة و كذا تسهيل عملية احتلال البلاد و المراقبة الشاملة لها، فكان أول تنظيم للأقاليم بالمغرب سنة 1923، أنشأ بمقتضاه 3 أقاليم عسكرية هي فاس مكناس مراكش، و 4 مدنية هي الرباط الشاوية الغرب ووجدة. و أعقب انتهاء حرب الريف و استقالة ليوطي بتاريخ 13 أكتوبر 1926 تقسيم المغرب مرة أخرى إلى أقاليم عسكرية وهي فاس مكناس مراكش وتازة، و مدنية الرباط وجدة الغرب الشاوية، و 4 دوائر مستقلة خاضعة للمراقبة المدنية هي الجديدة آسفي الصويرة ووادزام, ولقد أعيد النظر في هذا التنظيم سنة 1935. وفي سنة 1940, تم تقسيم المجال الترابي إلى 3 أقاليم مدنية هي البيضاء الرباط وجدة، و 4 عسكرية فاس مراكش مكناس أكادير. و نفس الشيء بالنسبة لمنطقتي الإحتلال الإسباني لشمال و جنوب المغرب, حيث قسمتا إلى مناطق مدنية و أخرى عسكرية, وذلك لكون المجال المغربي ميز بفعل، عامل التضاريس بالخصوص, بين نوعين من المناطق: مناطق الجبال التي لا تعترف قبائلها بالسلطة الزمنية للسلطان و تعترف له بالسلطة الروحية فقط، فترفض تأدية الضرائب و تمتنع عن تأدية الخدمة العسكرية و تسهر على تدبير شؤون القبيلة بنفسها، و قبائل السهول و الهضاب التي تميز بالخضوع التام للمخزن. ولذلك, فالدولة المغربية في إرثها التاريخي دولة تقليدية مركزية أو كانت على الأقل تصبو إلى ذلك، لكونها لم تكن تبسط في يوم من الأيام سلطتها الكاملة على كافة المجال الوطني، وهنا لامجال للإحتجاج بكون التنظيمات القبلية كانت تشكل نوعا أونواة أو منطلقا “للتنظيم الجهوي”، كما يذهب إلى ذلك كثير من المهتمين والباحثين في موضوع الجهوية. فالجهوية مبدأ حديث يرتبط أشد الإرتباط بالدولة الحديثة بل إنه تتويج و خلاصة لمسار تطورها، و جوابا على ضرورات تنموية وسياسية في تطور مسار الدولة الحديثة. فالدولة المغربية في فترة ما بعد الإستقلال حافظت على مركزيتها بغية تقعيد سلطاتها الحديثة على مختلف التراب الوطني، ولم يكن تقسيم 1971 إلا مقاربة سياسية وأمنية محضة هدفها تقعيد مؤسسات الدولة المركزية وبسط السيادة على كافة التراب الوطني. وبذلك فمحطة 1984 أبانت عن ضرورة إعادة النظر في السياسة العامة للدولة إزاء المناطق، فهيمنة الجهتين الإقتصاديتين الوسطى و الشمالية الغربية وفق تقسيم 1971 على جلب اهتمام مختلف الفاعلين الإقتصاديين، الشيء الذي أثر على السياسة التموينية العمومية و طرح مشكل الهجرة على المجال الوطني، و أبان عن التفاوت في مستوى عيش السكان بالإضافة إلى التمركز المكثف الذي كشفه إحصاء العام للسكان سنة 1994، حيث أوضح أن 48 في المائة من مجموع سكان المغرب تحتضنها الجهتين فقط. و في ظل حراك اجتماعي وسياسي أسهمت فيه هذه المشاكل جاء خطاب الحسن الثاني يوم 10 أكتوبر 1984 أمام المجلس الإستشاري للجهة الوسطى الشمالية بفاس ليؤكد على ضرورة تنفيذ بعض السياسات الإقتصادية و الإجتماعية بالمغرب، وبدأ الإهتمام الرسمي فعلا بالجهوية كخيار للتنمية. وفي عدد من الخطب الملكية وتصريحات للوسائل الإعلام الأجنبية في سنوات الثمانينات من القرن الماضي, أكد الخطاب الرسمي – في أكثر من مناسبة – أن المغرب متأثر بالتجربة الألمانية غير أنه من الضروري تطبيق جهوية بالمغرب ذات صبغة مغربية لا مجرد استنساخ لتجربة أجنبية.
وفي سياق هذا التطور للجهوية بالمغرب والمقاربة الجديدة التي أسس لها إنطلاقا بتتويج مخاض الثمانينات حول الجهوية بإقرار الجهوية كمؤسسة دستورية من خلال الإصلاح الدستوري لسنة 1992 الذي نص في الفصل 94 على أن الجهة أصبحت جماعة محلية، ووحدة ترابية تتمتع بالاستقلال المالي و الإداري كما باقي الجماعات الأخرى, و قد أيد هذا النهج في دستور 1996 الذي دعم بدوره الركائز الدستورية للجهة، وتوج بإصدار قانون 2 أبريل 1997 الذي قسم بموجبه المغرب إلى 16 جهة، وأمام وضع المغرب لهذه الخطة الجديدة للجهوية واصدار ترسنة قانونية متطورة لمؤسسة الجهة يظل سؤال هل مشكل الجهوية في جوهره مشكل قانوني مطروحا؟ وبذلك فهل يكفي وضع قواعد قانونية للتغلّب على قضايا تظافر في تداخها ما هو تاريخي و اجتماعي و ثقافي…؟ من الصعب علينا نفي أهمية القاعدة القانونية في كونها الخطوة الأولى نحو تطبيق مضمونها، لكنه بإمكاننا أن نؤكد أيضا أن المعالجة القانونية لموضوع الجهوية تظل عاجزة لوحدها عن الجواب عن سؤال يفترض بطبيعته استحضار الأبعاد الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية، و هي الأبعاد التي تحول، دون التفعيل الأمثل للقوانين مهما كانت دقتها النظرية والعلمية و راهنيتها العملية. فالمغرب مؤهل أكثر من غيره من البلدان لتبني الجهوية، نظرا لجغرافيته المتنوعة و نسيجه المجتمعي المتعدد. لكن ضعف النخب المحلية و تقليديتها التي تتميز بسواد فئة الأعيان من جهة، و ضعف وتباين الطاقات الاقتصادية بين الجهات و نقص الموارد البشرية و تفشي الأمية من جهة ثانية، حال دون التحقيق الأمثل للجهوية في تجربة 1997, هذا بالإضافة إلى الضوابط أو المقاربات المعتمدة في التقطيع الجهوي والنوايا الحقيقية للإرادة السياسية من سياسة الجهوية. وهنا بعيدا على فصل وتوضيح القوانين المؤطرة للجهة ألا يختلف تصور الجهوية والغايات المتوخاة منها من فاعل إلى آخر؟ ألا ترى فيها الدولة أنجع أداة لتخفيف أعباءها المركزية و إشراك باقي الفعاليات في تحمل شيء من المسؤولية؟ أليست هي طريقا نحو تفعيل الديمقراطية المحلية و تحقيق تنمية حقيقية لكافة التراب الوطني؟ ألا يتفق كل المغاربة حاكمين ومنتخبين وفاعلين مدنيين وباحثين مهتمين على أن مسلسل الجهوية بالمغرب اعترضته عدة عقبات وتعثرات ومقاومات من طرف لوبيات لا ترى لها مصلحة في تفويض المركز لعدد من الاختصاصات والسلطات للنخب الجهوية؟ ياترى كيف يمكن أن نفسر إذن هذه المفارقة بين الإجماع حول المبدأ والتعثر في التنفيذ؟ و ما هي طبيعة هذه العوائق والمقاومات التي تقف وراء تفعيل هذا الإجماع؟

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *