الجمعة , سبتمبر 24 2021
الرئيسية / آراء / جدلية العلم والدين في الخطاب الإسلامي..3 /4

جدلية العلم والدين في الخطاب الإسلامي..3 /4

محمود بلحاج / لاهاي* :

 الملاحظة الأولى:  حول الفكر الإسلامي:  

لقد تناول الكاتب / الحقوني في مستهل  مقاله المذكور سابقا ( انظر الإسلام والعلمانية بين الذاتية والموضوعية)، علاقة العقل/ الفكر بالذات المنتجة للفكر (= علاقة الذات بالموضوع)، وكذلك مفهوم النقد وشروطه ( ذكر منها مسألة الموضوعية والحياد  وطرح البدائل ..)  حيث قال بالحرق ما يلي (( قلت سابقا أن الإنسان، في المجال الفكري، لا يناقش ويساءل كشخص، بل يساءل كذات مفكرة تجاه موضوع ما، ونعني بالمسالة تلك المحاكمة الموضوعية لفكر معين، وهي ما يصطلح عليها ب ” النقد” وهذا النقد له شروط وطرقه ومدارسه ..)).

 

وبدون أن ندخل في تحديد  المفاهيم  الفلسفية التي تناولها  الكاتب في المقال الذي بين أيدينا، ومنها مفهوم المنطق، والعقلانية، والفكر، والحداثة وغيرها  من المفاهيم الفلسفية التي تحتاج إلى مقالات مستقلة، بل إلى دراسات مركزة و خاصة، نود الإشارة هنا إلى أن كلام الكاتب/ الحقوني  حول النقد  وشروطه يتناقض كليا مع ما أعقبه واتبعه من  الكلام والتحليل بعد ذلك، كما أوضحنا ذلك في الجزأين الماضين. فبالإضافة إلى تعرضه لشخصنا المتواضع، أكثر من مرة، قبل أن يتعرض لأفكارنا،  واتهامنا أيضا بتهم سخيفة لا ترتقي بصاحبها إلى المستوى الفكري الذي  يخوض فيه، فإن المقال الذي نتناوله هنا بالتحليل والنقد يعج بالتناقضات والمغالطات.

 

ومن صور هذه المغالطات  مسألة  الخلط بين الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي. فالسيد الحقوني يساوي هنا بين الفكر الإسلامي الذي هو أوسع واشمل  وبين الفكر السياسي الإسلامي الذي يتمحور – أساسا – حول شخص الحاكم والإمامة/ الخلافة. فعندما نتحدث عن الفكر الإسلامي فإننا نتحدث عن  مجموعة من المبادئ والآليات التي من خلالها ينظر الفقهاء المسلمين لقضايا الحياة والموت (= الدنيا و الآخرة)،  ومنها  على سبيل المثال : فضية وجود الله، النبوة، الوحي ، التوحيد، القدر، الجنة، النار، المصير، نشأة  الكون، الأخلاق، الحرية، المساواة، العمران/الحضارة الطب، الهندسة، الفلك وغيرها من القضايا الدينية والدنيوية، بالإضافة طبعا إلى القضايا المتعلقة بأمور العبادة مثل الحلال والحرام، أحكام وفرائض الصلاة والحج والزكاة  وآداب النكاح وغيرها من القضايا التي تهم حياة الإنسان المسلم في حياته اليومية. بينما عندما نتحدث عن الفكر السياسي الإسلامي فإننا نتحدث – أساسا- عن الفكر الذي أنتجه المفكرين العرب والمسلمين حول مسألة الحكم والإمامة/ الخلافة سواء  خلال مرحلة العهد الأول للدولة الإسلامية؛ أي مرحلة الخلفاء الراشدين أو ما تم إنتاجه بعد ذلك.  ومن هنا فإننا نتحدث في العمق عن تصور   تيار  الإسلام السياسي الذي تمتد جذوره إلى البدايات الأولى لظهور مشكل الخلاقة، ولا نتحدث، بالضرورة،  عن الفكر الإسلامي الذي أنتجه علماء وفلاسفة المسلمين الكبار مثل ابن رشد وابن سنا والفارابي وابن عربي وغيرهم كثيرون .

 

يأتي هذا التوضيح في سياق الكلام  الذي أورده الحقوني في حقنا،  حيث يتهمني بكلام خطير للغاية،  لكنه كالمعتاد  كلام دون حجج تثبت صحته ، واليكم التهمة كما جاءت في كلامه بالحرف (( ولكنه ينفي أن لهذا الدين وجود واقعي تمت معايشته في زمن ما من تاريخ الإسلام، فلا أحد عاش فترة الازدهار للدين الإسلامي حتى في عهد عمر بن الخطاب ..))، ثم أضاف يقول أيضا (( وإنني لأرى أن أي عاقل يقرأ عن الإسلام يجد فسحة عظيمة لإعمال الفكر والتدبر، حتى أن هناك اتجاه فلسفي اسمه الفكر الإسلامي..)).

 

واليكم الآن دليلي  القاطع على أنني لم  أنكر أبدا وجود الفكر  الإسلامي ، ولا عدم ازدهار الدين الإسلامي كما يتهمني الحقوني بذلك، حيث قلت في مقالي السابق ما يلي  (( كما يمكن اعتبار هذا المعطى من أبرز العوامل  الموضوعية التي أدت  إلى بروز وازدهار الفكر والحضارة الإسلاميين، وبالتالي  فإن تطور وتقدم ما سار يعرف  لدينا ب ”  الحضارة الإسلامية ” والفقه/ الفكر الإسلامي تم في أحضان العلمانية (= فصل الدين عن السياسة) وليس في أحضان التزمت والتشدد في تطبيق الشريعة..))(18).

 

فهذه الفقرة تكفي لدحض المغالطات والمزايدات التي أوردها الحقوني في مقاله المذكور سابقا، حيث أنها تؤكد بالملموس أنني أقر وأعترف بوجود الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، وبالتالي لا ادري لماذا يتهمني الحقوني بإنكار وجود الفكر الإسلامي، وازدهار الحضارة الإسلامية !!؟ هذا بقطع النظر هل يوافقني الرأي أم لا حول  أسباب  ازدهار الفكر والحضارة الإسلاميين فهذا موضوع آخر. بحيث أن مسألة ازدهار الفكر والحضارة الإسلامية هي حقيقة  تاريخية موضوعية لا يمكن تجاوزها بعض النظر عن موقفنا منها ، وبصرف النظر  كذلك عن نوعية هذا الفكر، وكيفية ازدهاره، وفي أي إطار تم ازدهاره،  المهم انه موجود ولا يمكن تجازوه.   ومن هنا نعتقد – ربما – أن الحقوني يعتمد  الهرمينوطيقيا في تعامله مع النص / المقال، ونظرية الهرمينوطيقيا تعتمد التخمين الخفي والعدمي في فهم وتأويل النص.

 

انطلاقا من هذا نري أن الإشكالية الحقيقة تكمن – أساسا- في نظرة كل واحد منا إلى التراث الإسلامي الذي يجب أن يعاد قراءته بشكل نقدي وعقلاني، وخاصة في الأمور  الخلافية فيه، حيث هناك من ينظر إلى النصوص القرآنية كنصوص ثابتة لا تتغير  نهائيا ، وهناك من ينظر إليها كنصوص قابلة للتطور ، وبالتالي فإنها قابلة للتجديد والتأويل العصري؛ أي وفق شروط ومشاكل العصر الذي نعيش فيه. فعلى سبيل المثال فقط، إسلام طالبان أو جماعة العدل والإحسان، أو أنصار الشريعة ، أو  إسلام  باقي الجماعات الإسلامية الساعية إلى الحكم لا يمثلني شخصيا كمسلم أعيش في القرن الواحد والعشرين، فإذا كانت حركة طالبان على سبيل المثال  تقتل النساء رميا  بالحجارة في  الأماكن العمومية بدافع ” تطبيق ”  أحكام الشريعة، وإذا كان النظام السوداني يقطع أيادي الناس بدافع “تطبيق” الشريعة(19) دون أن يبحث   في موضوع لماذا يسرق الناس؟ ولا يتحدث  عن الفساد السياسي والإداري  والمالي  المنتشر في البلد فهذا الإسلام لا يمثلني  ولا انتمي أليه.  كما أن  الإسلام الذي يتم تقديمه في  الفضائيات حول تطبيق حد الزنا  وقطع الأيادي  ومنع الخمور، وفرائض الإسلام  والخمار والجهاد  ..الخ، ولا  يتحدث عن ملكت اليمن التي يتمتع بها الرؤساء وملوك المسلمين، ولا يتحدث عن الحرية والمساواة  والعدل والتسامح والرحمة من جهة، ولا يتحدث عن الاستبداد والقهر الذي يمارسه  قادة المسلمين باسم  تطبيق الشريعة كما هو الأمر في السعودية والمغرب والسودان وإيران وغيرها من الدولة الإسلامية  ، فهذا النوع من الإسلام لا يمثلني في شيء ولا يعنيني   إطلاقا.

 

الملاحظة الثانية: حول عدالة عمر بن الخطاب:

 

بخصوص هذه النقطة يعتقد الكاتب/ الحقوني أنني قد قلت أن الخليفة  الثاني – عمر بن الخطاب –  قد مارس نوع من التمييز والتهجير الجماعي، وهذه تهمة حظيرة  للغاية أتمنى من الأستاذ أن يسحبها  فورا، فانا لم أقول بهذا الكلام إطلاقا، وإنما قلت ما يقوله التاريخ، وليس أي تاريخ، وإنما التاريخي الإسلامي السني بالذات ، وبالتالي فإن التمييز بين هذين الأمرين  يعتبر أمرا ضروريا، بل  أنه من الواجب القيام بذلك، فانا لا اكتب التاريخ وإنما أقرا التاريخ فقط.  هذا أولا، وثانيا إذا كان الأستاذ الحقوني  يجهل هذه الحقيقة المؤلمة، أو أنه لا يريد الاعتراف بها؛ أي انه لا يريد  الاعتراف  بسياسة التمييز والتهجير الجماعي التي نهجها عمر بن الخطاب  أثناء توليه الحكم/ السلطة، حيث قام بتهجير اليهود من خيبر  والنصارى من نجران(20)، فهذا لا يلغي شيء من الحقيقية التاريخية  التي وثقتها مختلف الكتب التراثية السنية قبل غيرها من المراجع الإسلامية والغربية .  ولكن، في المقابل من حقنا  كمسلمين أن نعرف كيف يفسر المدافعين  عن ” السلف الصالح” عموما، وعن عدالة عمر بن الخطاب تحديدا، الأحداث والوقائع  السياسية التي سجلها التاريخ  السني عن عمر بن الخطاب، وهي أحداث ووقائع خالف من خلالها الخليفة بشكل صريح وواضح القيم والمبادئ الدينية التي ينص عليها القرآن الكريم . ومن الإعمال التمييزية الأخرى التي سجلها التاريخ عن عمر بن الخطاب على سبيل المثال هو منعه لليهود من السكن في بيت المقدس بعد عزوها واحتلالها من طرف  الجيوش العربية الإسلامية(21) ، بينما سمح بذلك لأهلها شريطة أن يدفعون له الجزية  حسب رواية ابن كثير (22 ).

 

وبناءا على هذه الحقيقة الموضوعية التي لا  يجهلها أي باحث ودارس للتاريخ الإسلامي عموما، والتاريخ السياسي للإسلام خصوصا، نقول أن ما ذكرناه في حق عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، ليس من وحينا واجتهادنا الخاص، وإنما هو موجود في الكتب التاريخية، وبالتالي لم نأتي بشيء جديد في هذا الموضوع، كما  لم تكن غايتنا – إطلاقا – هي التشويه والتزييف كما قد يعتقد البعض،  وإنما جاء في سياق التعليق على كلام  الحقوني الذي وصف مرحلة تولى  عمر بن الخطاب الحكم ومرحلة عمر عبد العزيز  من  أفضل الفترات والمراحل التي انعم وتمتع  فيها المسلمون بالعدالة، وبالتالي فإن حديثنا  عن سياسة عمر بن الخطاب جاء في سياق الرد على كلام الحقوني أولا. وثانيا جاء في سياق  توضيح أمرين أساسيين في الموضوع، أولهما  هو أن الخليفة مارس نوع من  العلمانية أثناء حكمه؛  أي أنه قام  بفصل الدين عن السياسية وليس الدين عن الدولة (وأظن أن صاحبنا يعرف جيدا الفرق بين هذين المفهومين).

 

فبالإضافة إلى هذا الحقيقة التاريخية التي لا يمكن تجاهلها وتجاوزها بالمطلق، فإن أية محاولة لتحليل وفهم مرحلة تولى الخلفاء الراشدين للحكم  وما تلالها بعد ذلك من الأحداث والوقائع السياسية الإسلامية خارج هذا السياق؛ أي خارج سياق فصل الدين عن السياسة،  سيصطدم صاحبها مع إشكاليات عويصة قد لا يجد لها تفسيرات مقنعة،  ومبررات منطقية، حيث أن جزء من سياسة عمر بن الخطاب مثلا (محور الحديث)، وبعض مواقفه  تتعارض طولا وعرضا مع القيم الدينية التي بشرنا بها النبي صلوات الله عليه. ومنها على سبيل المثال فقط موقفه(= عمر بن الخطاب)  من الحرب التي شنها أبو بكر ضد الذين رفضوا إعطاء ودفع الزكاة لبيت المال(23)، حيث ساند ودعم موقف وقرار الخليفة الأول أبو بكر بشن حرب  لا هوادة فيها على هؤلاء الناس،  هذا بالرغم أن الرسول الأعظم قد  نهى  وحرم عن قتل كل من قال لا ٌإله إلا  الله (24). كما أن الله سبحانه وتعالي يوصينا بالرسول (ص) حيث قال في كتابه الحكيم “{ ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (25).  فإذا نظرنا إلى هذه الموضوع  من الزاوية الدينية نستطيع الجزم بأن عمر بن الخطاب قد ارتكب مخالفة واضحة لتعاليم  الرسول (ص)، وبالتالي فإنه قد ارتكب مخالفة صريحة لكلام الله القائل { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد  ضل ضلالا مبينا} (26).

 

طبعا، نحن لا  نقول أن عمر بن الخطاب، أو غيره من الصحابة قد خالف الله ورسوله (ص) في أمور الدين، فلا احد يستطيع أن يشك في إيمان وتقوى هؤلاء الصحابة ماعدا بعض الجاحدين، بل حتى الذين شهد لهم التاريخ بالانحراف وارتكاب المعاصي لا يمكن لنا التشكيك في إيمانهم، وإنما الموضوع هو موضوع دنيوي سياسي. وحول هذا الموضوع يقول المفكر المصري الدكتور سيد القمني ما يلي ” عندما تدقق في تاريخ الخلفاء الأربعة ستكتشف أنهم كانوا على دراية واضحة غير ملتبسة لما هو سياسي دنيوي وبما هو روحي ديني، وأنهم في السياسي الدنيوي أباحوا الأخذ بأنظمة كفار البلاد المفتوحة من دواوين وهندسة معمارية وزراعة، لان هذا كله لم يكن ضمن ما هو موحى به، فصلوا  في معظم المواقف بشكل واضح ما بين الصح والخطأ   وبين الحلال والحرام، ولم يكن هذا الوعي بالفصل بين المجالين شيئا محدثا لأنهم رأوه  في نبيهم وفي قراراته ..” (27).  فكيف سيخالف عمر بن الخطاب أوامر الله ورسوله وهو اعلم  وافقه بأمور الدين حسب عبد الله بن مسعود، الذي قال في حقه ما يلي  ” كان عمر أعلمنا بكتاب الله وافقه في دين الله” (28)، وبعد هذا التوضيح يهمنا معرفة رأي صاحبنا فيما أوردناه من الكلام حول الموضوع.

 

ومن خلال هذه المعطيات التاريخية الموضوعية  يمكن لنا استنتاج أمر أساسي؛ وهو أن فصل الدين عن السياسة كان من ابرز الأسباب التي أدت إلى تطور وازدهار الحضارة الإسلامية،  حيث لا يمكن تحقيق هذا الازدهار في ظل دمج الدين بالسياسة، والسياسة بالدين، وهو ما حصل في الغرب أيضا بعد قرون من ازدهار الحضارة الإسلامية نتيجة هذا المعطى؛ أي نتيجة  فصل الدين عن السياسة تقدمت أوربا وليس في أحضان الدين. وثانيهما  هو  أنني حاولت أن أوضح – قدر الإمكان – أن فترة حكم عمر بن الخطاب لم تكن تتميز بالعدل والمساواة المطلقة كما يقال ويشاع في الكتب  التراثية، وإنما  عرفت هي  أيضا الكثير من الخروقات والتجاوزات  التي لا يمكن التغاضي عنها، خاصة أن تجربته تعتبر نموذجا يحتدا بها في خطابات ومشروع الجماعات الإسلامية الساعية إلى  السلطة. وهو الأمر الذي يجعل قراءة ودراسة هذه التجربة المتميزة في التاريخ السياسي الإسلامي مسألة ضرورية لفهم واستيعاب التطور السياسي للدولة الإسلامية، وما ترتب عنه من الأحداث الاجتماعية والسياسية والفكرية، خاصة بعد مقتل  عمر وتولي عثمان الحكم وما نشب بعد ذلك من الخلافات والصراعات السياسية التي أدت في نهاية المطاف باغتياله( = عمان)؛ وهو الاغتيال الذي سيشكل نقطة مفصلية في التاريخي السياسي العربي الإسلامي، حيث أن تأثيراته السياسية والفقهية مازالت قائمة إلى يومنا هذا.

 

ومن جانب آخر يعتبر عمر من أبرز الصحابة والفقهاء الذين اجتهدوا مع وجود النص، وليس أي نص، وإنما نص قطعي وثابت الدلالة،  مخالف بذلك أهم قاعدة فقهية لدى المسلمين بالإجماع، وهي عدم الاجتهاد مع وجود النص. وهو الأمر الذي يجعل قراءة ودراسة تجربة عمر في الحكم ومساهماته في الفقه الإسلامي بشكل عام، والفقه السياسي بشكل خاص،  أمرا ضروريا على أي باحث موضوعي يسعى إلى معرفة الحقيقة والمساهمة في تصحيح التاريخ.  ومنها  على سبيل المثال وليس الحصر   اجتهاده في نص قطعي ثابت الدلالة حول إعطاء الصدقات(29)، حيث  منع (= عمر) إعطاء الصدقة لمؤلفة قلوبهم لأن الإسلام لم يعد يحتاج إلى المؤلفة قلوبهم بعد أن أصبح قويا(30).  واجتهاده أيضا في تحديد المهر رغم وجود نص ثابت وقطعي في الموضوع، ولما واجهته احد النساء  بالآية التالية { واتيتم احدهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا }، قال آنذاك مقولته المعروفة  ” أصابت امرأة واخطأ عمر ” (31) . بل أنه حتى طريقة وكيفية وصوله للحكم كانت غير شرعية أصلا أذا ما طبقنا مفهوم الشورى كما هو متعارف عليه دينيا. فمن المعروف أن عمر بن الخطاب جاء إلى الحكم عن طريق التعيين والعهد من طرف أبي بكر وليس عن طريق  الاختيار كما تنص الشورى على ذلك ( 32) ، هذا إذا ما تجاوزنا جدلا بأن  الشورى تفيد الحكم(= السلطة)، ففي هذا الموضوع؛ أي موضوع العهد،  يقول الدكتور مصطفى الرافعي (( طريقة العهد، هي أن يعهد الخليفة قبل موته إلى رجل بالخلافة، وأول من فعل ذلك أبو بكر، فقد اختار للمسلمين عمر بن الخطاب خليفة، وكتب  بذلك كتاب ..))، أما في موضوع الشورى فأورد الكلام التالي (( أما طريقة الشورى فهي أن يسمى الخليفة عددا من الرجال الذين يرجى أن يكون الخليفة واحد منهم ، ويأخذهم بان يجتمعوا بعد وفاته ويتفقوا على اختيار احدهم للخلاقة، ثم يعرضوا اسمه على الأمة..)) ( 33 ) .

 

وبعد عرضنا لهذه الوقائع التاريخية  المعروفة والمتداولة في كتب التاريخ  ، طبعا هناك وقائع أخرى لا يتسع لنا المجال لذكرها جميعا، نود معرفة موقف ورأي الأستاذ الحقوني في هذا  الموضوع؛ أي في  موضوع  تولى عمر بن الخطاب الحكم؟ هل  خالف عمر قواعد الشورى أم لا؟ إذا كان الجواب بنعم فما هو حكم الإسلام  على ذلك؟

وسبب طرحنا لهذا السؤال هو أن السيد الحقوني  ذكر لنا فقط  الآية التي تقول ” وأمرهم شوري بينهم ” ولم يذكر لنا أسباب نزول  هذه الآية أولا، ولم يذكر لنا أيضا بأن الشورى ملزمة على المسلمين كالصلاة تماما لقوله تعالى { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } .  وحول هذا الموضوع يقول زعيم جماعة العدل والإحسان الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله ” والشورى عبادة قبل كل شيء، وأمر الهي، وصفة إيمانية تتوج صفات أخرى تتكامل وتتضايف وتتساند, متى انخرمت صفة من تلك الصفات الواردة في سياق الآيات الأربعة الكريمة فسم نظامك ما شئت غير الشورى “(34).

 

والسؤال  المطروح  هنا هو: إذا كانت الشورى ملزمة  دينينا وعمر لم يلتزم بها فما حكم  الإسلام على ذلك؟ وهل تعتبر هذه مخالفة صريحة من قبل عمر بن الخطاب  لشرع الله أم لا ؟

علاوة على ما سبق ذكره يقول السيد الحقوني في معرض رده على كلامنا السابق (( أري أن الإسلام الذي يجري عليه الكلام في أقوال  بلحاج/ ليس الإسلام نفسه، بل الإسلام الذي ينتجه فكره، والعلمانية التي يقصدها ليست العلمانية نفسها بل العلمانية التي ينسجها فكره أيضا، وهذا التناقض في المفاهيم يلائم أهواء الثقافة الغربية المغرضة ..)).

صراحة لا ادري ماذا يريد وينتظر مني الكاتب أن أقول ، هل يريد مثلا أن أقول وأفكر  كما يفكر هو في الإسلام  والعلمانية؟ هذا بالإضافة إلى أنني لم أقول في  مقالي السابق، ولا في أية مقال آخر من المقالات التي نشرتها سابقا  أن الإسلام الذي أقدمه وأدافع  عنه هو من أنتاجي الخاص، فانا لا أنتج  إسلاما جديدا، وإنما أناقش فقط الإسلام الكائن والموجود، والاختلاف حوله موجود وقائم مند وجوده وليس شيء جديدا،  وبالتالي فأنني أحاول أن أقدم وجهة نظري الخاصة في الموضوع؛ أي موضوع  التاريخ الإسلامي عامة، والتاريخ السياسي خاصة. وجهة نظر  أتخيلها صائبة وصحيحة حتى يثبت لي العكس. كما أن العلمانية التي أقدمها ليست من أنتاجي الخاص وإنما أحاول أن أقدم فقط وجهة نظري في موضوع العلمانية التي اعتبرها الحل المناسب في ظل الظروف والمناخ السائد حاليا في ما يسمى بالعالم الإسلامي ، وهي وجهة نظر موجودة ومتداولة في الأوساط الفكرية والإعلامية وليست جديدة.

 

وفي نهاية هذا المحور نقول  انه من الظلم  أن نرى  الاجتهاد الذي قام به الخليفة عمر  بن الخطاب، أو غيره من الخلفاء،  مخالفة للدين وإنما هو اجتهاد فرضته حركة التاريخ التي لا يستطيع الخليفة أو غيره من أقافها أو تغيير مسارها، أو بصيغة أخرى كانت هناك ظروف ومعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية وثقافية تستوجب الاجتهاد حتى في حالة وجود نصوص ثابتة وقطعية الدلالة كما هو الأمر مع مسألة قطع يد السارق والمؤلفة قلوبهم وغيرها من الأمور التي استوجبت المستجدات والظروف الجديدة  تجديد تأويلها و وقف العمل بها  خدمة لمصلحة المسلمين أولا ، والإسلام ثانيا.

 

يتبع …

* للتواصل :[email protected]

الهوامش:

18:  راجع مقالنا تحت عنوان ” الإسلام والعلمانية مرة أخرى .. تعقيب وقراءة في مقال الأستاذ مرزوق الحقوني” المنشور على شبكة  دليل الريف للإخبار

19: انظر كتاب ” ما قبل السقوط” فرج فودة ؛ من ص  67 إلى 83

20: انظر كتاب ” تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية : تأليف عمر فروخ ، منشورات دار العلم للملايين، بيروت – الطبعة السابعة 1986 – ص  104

21: المرجع السابق ابن كثير – باب  فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب – ص 55 .

22: انظر كتاب ” حضارة العرب ” للدكتور نصطفي الرافعي منشورات الشركة العالمية للكتاب ، الطبعة الرابعة، ص 102

23: المرجع السابق الرافعي ، انظر كذلك كتاب ” التاريخ الإسلامي: الخلفاء الراشدين ” لمؤلفه الدكتور محمود شاكر / منشورات المكتب الإسلامي ، الطبعة الثانية/ ص 67

24: حديث صحيح رواه البخاري ومسلم

25:  آية قرآنية

26: سورة الأحزاب ، الآية 36

27: المرجع السابق سيد القمني

28:  انظر كتاب ” خلفاء الرسول ” للدكتور خالد محمد خالد منشورات دار المقطم للنشر والتوزيع- القاهرة، الطبعة الأولى ملونة – ص 133

29:  سورة التوبة، الآية 60

30: المراجع السابق – الرافعي ص 105

31: المرجع السابق خالد محمد خالد – ص 126

32:  المرجع السابق  ابن كثير ، باب خلاقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه – ص 18

33: المراجع السابق الرافعي –ص 168 -169

34: انظر كتاب مرشد جماعة العدل والإحسان الشيخ ” حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” منشورات مطبعة الأفق – الدار البيضاء – الطبعة الأولى 1994 – ص 65

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *