الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / آراء / جدلية العنف في مقاربة السياسة المغربية تجاه الريف : قراءة سيكولوجية ( الجزء الأول )

جدلية العنف في مقاربة السياسة المغربية تجاه الريف : قراءة سيكولوجية ( الجزء الأول )

خميس بتكمنت :

توطئة : إن تراكم مجموعة من تبعيات الممارسات المخزنية في حق الريف و الريفيين خلثت صورة سيادية في سيكولوجيو الريفيين ، و لا يخفى عنا أن الربف كان عرضة لمجموعة من ممارسات العنف بشتى أنواعه لوضع حد لفكر مناهض لسياسات النظام المخزني و قد أثرت هذه المماراسات القمعية العنفية على التفكير و الذهنية الريفية ، التي تصور المخزن كمؤسسة تسليطة نظرا للتراكم التسلطي الذي أفرزته التدخلات و الممارسات و كذا النظرة التي تنظر للريف كمنشقين عن الطاعة و كل ذلك أدى إلى الإعتقاد اللاشعوري بكون الريف منطقة توتر و الريفيين كمواطنين بالإكراه . و قد إتسمت العلاقة الكائنة  بين الريف و النظام المخزني بإزدواجية التعامل السلبي القائمة على ثنائية التسلط و الإكراه بالقوة بإعتبار ان المعطى الريفي كان الرقم الأبرز  في معادلة المقاومة المسلحة و كذلك من ناحية أخرى كان كيانا دولياتيا مستقلا في مرحلة تاريخية معينة . و قبل التطرق إلى الآثار النفسية و الذهنية التي خلفتها آثار المقاربة العنفية التسلطية للمخزن و إنعكاساتها السيكولوجية على الذهنية الريفية لابد من الإشارة أولا للتأصيل التاريخي لمجموع الأحداث التي كان الريف ضحية للمظاهر العنفية و القمعية لتهيئ النقاش حول السيكولوجية الريفية التي أفرزتها عوامل العنف بشتى انواعه . 1_التأصيل التاريخي و كرونولوجيا العنف المخزني الممارس ضد الربف . كان النظام المخزني و لا يزال يعتبر الريف بؤرة للتوتر و منطقة خارجة عن السيطرة نتيجة ظهور فكر تحرري و مناهض  بالريف  لسياسات دار المخزن و قوانينها التي كان ينظر إليها من جانب الريف أنها أدوات الإخضاع بشتى وسائله ، مما افرز و أعطى تجليات خطواتية للخروج من دائرة هذه التبعية المخزنية  السلبية و تجلى ذلك في مجموع المحطات و الأحداث التاريخية التي أعلن فيها الريفيون علانية رغبتهم في التحرر و الإستقلال ، القيام بمجموعة من الإنتفاضات الشعبية ضد المخزن و و قد  ظهرت التجليات الملموسة للطرح المناهض للمخزن بالملموس مع منتصف القرن التاسع عشر و كان أبرزها رفض القبائل الريفية لدفع الضرائب لدار المخزن و دليل الرفض واضح و هو عدم إستفادة الريف بشكل قطعي من هذه الضرائب التي كان يتحكم فيها المقربين لدار السلطان و أعيان فئة موريسكية قليلة التي كانت لها كلمات نافذة بالقصر العلوي ، و كانت ذهنية الإنفصال حاظرة بقوة في الذهنية الريفية انذاك و تمخضت عنه الإعتراض للسفن الأجنبية الأجنبية التي كانت ترسو على الموانئ الريفية بداعي أحقية الريف في الرسوم الجمركية للإستفادة منها لخدمة المنطقة كيانيا ، و كانت هذه الخطوة رد مباشر على الحملات التي كانت تشن من طرف قوات المخزن و التي إستهدفت الممتلكات الفردية و الجماعية للريفيين من نهب للبيوت و السطو على ممتلكاتهم و إنتزاع أراضيهم و المساس بكرامتهم التي تعتبر خطا أحمرلا يمكن القبول بأي شكل من الأشكال المساس بها . و كان المخزن على موعد مع التاريخ في رسم حدث دموي مظلم بالريف بعد إستباحة دم أبناءه ،  و كان ذلك على يد المسمى بوشتى البغدادي الذي قاد قوات المخزن التي أبادت قبيلة إيبقوين بأمر من السلطان العلوي سنة 1899 و الأدهى من كل ذلك هو إستغلال المسجد كمكان مقدس للقيام بهذه الجريمة بعد دعوة سكان القبيلة إلى صلاة المغرب جماعة ليتلو عليهم البغدادي برقية طلب الصلح و الهدنة التي بعث بها السلطان ليتفاجئ الكل بمداهمة القوات التي كانت تترصد بهم و تتم تصفية كل الحاضرين بالمسجد بطريقة وحشية ، و لم تكن هذه إلا بداية لسياسة شيزوفونية كانت تعتبر الريف و أبناءه أعداءا و قد توالت الحملات مع بداية القرن العشرين بإرسال حاشية من المافيات المخلصة لدار المخزن تنهب مواشي و أنعام قبيلة ” إيكزيناين ” بدعوى أن بلاد المخزن بحاجة إلى هذه الاعداد من المواشي في ظل موجة الجفاف التي دامت بين 1903و 1907 ، و هنا تبينت سياسة المخزن بوضوح تجاه الريف و ادرك الريفيون انهم رقم حسابي يراد به الإستثراء و الإغتنام لا اكثر ، لتتجه سياسة المخزن بإعتماد إستراتيجية التخوين و التخابر مع العدو الاجنبي التي كانت سارية بقوة في المناطق الواقعة على حدود مليلية ( قبيلة قلعية ) و إعتبار كل من إعترض على القوانين السلطانية مساهم في تكريس ثنائية السيبة\المخزن و على سبيل التوضيح هنا فبلاد السيبة كانت تصنف داخل إطارها كل من إعترض على السياسات النهبية و الترامية . و كانت المحطة الابرزالتي إتضحت من خلالها السياسة المعتمدة تجاه الريف في النصف الأول من القرن العشرين هي موافقة السلطان العلوي على إستعمال الغازات السامة من طرف الدول الإمبريالية بالريف لسببين هامين اولهما حماية العرش الذي كان قاب قوسين او أدنى من السقوط لولا تدخل فرنسا لحمايته و كان هذا هو لهدف من توقيع معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1912 و الهدف الثاني من الموافقة  هو إقبار تجربة الدولة الريفية التي وضع لبناتها مولاي موحند سنة 1921 ، و كذا لإيهام الناس بشرعية مزيفة بإعتبار الشرعية الحقيقية أنذاك كانت هي شرعية المقاومين الابطال الذين ذادوا عن الوطن يكل الوسائل المتاحة و خلقوا مشاكل ميدانية لقوى إستعمارية كانت تتباهى بجبروتها العسكري و قوتها الضاربة ، و مع تلقي قوى المستعمر للضوء الأخضر لإستعمال الغازات الكيماوية و السامة التي إستعملت لأول مرة في التاريخ بالريف و لا تزال تبعياتها متواجدة و ظاهرة  لحد اليوم بالإنتشار الكبير لمجموعة من الامراض الخطيرة أهمها السرطان و خلق تشوهي و عاهات مستدامة عند أعداد كبيرة من أبناء المنطقة ، و من هنا إتضح جليا ان التعامل المخزني تجاه الريف لم يكن أبدا من منطلق نظام تجاه أبناء كيان ينتمون له بل كان من مسلك مجابهة عدو و العمل على إركاعه بكل الوسائل و الأدوات ، و للذكر هنا فإن الجمهورية الريفية و الفكر الجمهوري الذي كان سائدا لم يأت من فراغ بل جاء كنيجية إقتناع حتمية بكون علاقة ربط الوشائج مع النظام المخزني تبدو من المستحيلات و الدليل على ذلك محاولة إضطهاد تجربة المقاومة المسلحة و رمي الشبهات على أيطالها الذين وهبوا الغالي و النفيس من أجل الإستقلال التام . لتتوالى السياسات التمويهية التسلطية التي مرادها جعل دار المخزن هو المالك للشرغية رغم ان المعطيات الميدانية كانت تفيد عكس ذلك كما أشرنا أعلاه ليظل مهندسو دار المخزن يترقبون لأي ثغرة صغيرة كانت او كبيرة لإستغلالها من اجل تحوير إنتباه الرأي العام الذي كان منصبا انذاك على الاخبار التي كانت تورد من الجبال و من جبهات المعارك التي كان أبطالها رجالات المقاومة و هذا ماحصل بالفعل بعد إستصدار ظهير 16 ماي 1930 الذي سمي زورا و بهتانا بالظهير البربري ، ليتم إفراغه من محتواه الاصلي و إستغلاله بمباركة المخزن من أجل خلق حركة سميت في التاريخ الرسمي بالحركة الوطنية مع العلم أنها بريئة من أي نازع وطني براءة الذئب من دم يوسف ، و لتبدأ مراحل قراءة اللطيف في المساجد من طرف أصحاب الطرابيش الحمر و بإستغلال للمساجد و الجوامع و الزوايا من اجل إثبات صحة الأسطورة لا الحقيقة أن قوى الإستعمار تحاول تنصير الامازيغ و إخراجهم من ملة الإسلام متناسين ان الظهير تم ختمه بالخاتم السلطاني و كل ذلك من أجل خلق قوة سياسية متآمرة لإزاحة خيار المقاومة و إلهاء الشعب بالتفاهات و كانت هذه المرحلة هي الميلاد الحقيقي لما سمي بالحركة الوطنية التي ستبيع المغرب فيما بعد في ” إيكس ليبان “. و ظلت القتامة هي سيدة الموقف بين الريف و مؤسسة المخزن ، و كان الحذر هو السائد بين الجانبين لنصل إلى 58 و 59  التي أبانت أن المعادلة القديمة مازالت سارية المفعول بعد إرتكاب قوات المخزن جرائم يندى لها الجبين لقمع إنتفاضة العز و الكرامة التي كان قائدها محمد سلام أمزيان و ليظهر المخزن أن تعامله مع الريف لن يكون أبدا وديا حتى لو إقتضلا الأمر إبادة الشعب الريفي بأكمله ، غذ كيف يكمن تبرير قتل النساء و الاطفال و الشيوخ و إستعمال الدبابات و المدافع في حق شعب أعزل و كما دحضت الأفعال و المقابر الجماعية التي إرتكبت في حق الريفيين سنة 1984 ان لا شيء تغير بعد الدستور الممنوح لسنة 1962 فقد تم وصف الريفيين بأقدح الأوصاف من طرف أعلى سلطة الهرم الحاكم الحسن الثاني في خطابه الشهير الذي نعت فيه الريفيين بالأوباش و هدد على المباشر بعزمه تأديبهم و سلخهم لكي تعلو كلمته مهما كانت الأحوال و السياقات و هذا الزخم العنفي الكبير لن ينتهي في هذه الفترة بالذات بل تداعى إلى اليوم و الدليل على ذلك تعامل الدولة مع متضرري زلزال الحسيمة 2004 و مدى الظلم الذي طالهم و إحساسهم بعدم الإنتماء بعد إكتفاء السلطات في المراحل الأولى في التفرج و عدم مد يد العون بل واجهت المطالبين للعون و المساعدة بالعنف المادي و النفسي ة الرمزي ، دون إغفال الضرب على الأيادي بالحديد على مناضلي حركة 20 فبراير و إحراق 5 منهم في مسرحية مكشوفة و تلفيق التهم الواهية في محاكمات المعتقلين السياسيين لحركة 20 فبراير بالريف بل تعدى الأمر إلى التصفية المباشرة التي راح ضحيتها الشهيد كمال الحساني . و   كل ما سبق ذكره يبين السياسة المتبعة بالريف التي يعتبر العنف بكل انواعه هو عنوانها الاول من خلال الإصرار على الإقرار أن العنف هو الحل الوحيد لتكسير شوكة الصوت الريفي و هذا ما سيفرز نتائج سيكولوجية و مقاربات شعورية ستظل راسخة في الذهنية الريفية و آلية تعاملها مع النظام المخزني كمؤسسة سياسية و كذا النظرة التقييمية التي ينظر كل منهما للآخر دون إغفال النتائج و الخلاصات التي سنتطرق لها بالتفصيل أسفله . …………… يتبع

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *