الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / آراء / هولوكست “أهل السنة والجماعة” ( المنافقون وتحقيق الهدف ) [2]

هولوكست “أهل السنة والجماعة” ( المنافقون وتحقيق الهدف ) [2]

المرتضى إعمراشا* : 

التحول في تاريخ الأمة :
ـ عهد الإمام أحمد
ـ مقتل عثمان رضي الله عنه
ـ آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم

أقصد بالهلوكوست هنا جانبه الفكري في إستغلال المأساة لأغراض حسنة أو سيئة أو تبرير منطلقات عادلة أو جائرة وجمع الحق والباطل في قالب واحد ووجوب تجرّع حرّه ومرّه وحلوه دون تمييز، لكوننا قدمنا تضحيات و معانات في سبيل هذه التركة الثقافية التي لا يردّها إلاّ معادوا “السامية” .. هذه الطريقة الصهيونية في إستغلال العواطف  لتمرير الأهداف و إذلال العالم بها نجدها جليّة وواضحة في تصرّفات كثير من طوائف المسلمين وغير المسلمين ، حيث نرى طوائف يجعلون من معاناتهم دليلا على قدسية مبادئهم ، فالنصارى يجعلون من آلام المسيح دليلا على صدق ديانتهم وأكثر ما يجعل المسيحي متشبثا بدينه ليست قوة البراهين إنما عاطفتهم إتجاه معاناة المسيح عليه السلام ، وهكذا تسرب هذا النوع من الإستغلال البشع للضمير الإنساني إلى كثير من المسلمين ، فنجد أن الشيعة يستغلون “معاناة الزهراء وكسر ضلعها والحسين و آل البيت عليهم السلام” أبشع استغلال ويتباكون ليل نهار ذاكرين ومعظمين ومغالين أحيانا في التعامل مع هذه التركة الكئيبة حيث جعلوا منها مطية و دليلا على صدق مبادئهم وهو ما أطلقوا عليه ( المظلومية ) بحق وباطل ، وهكذا الحال حتى مع الشعوب و القبائل فيما بينها لا فقط المذاهب و الأهواء ، وهذه الطريقة لا تقبل إطلاقا في ديننا ولو بنزر يسير منها حتى من أقدس شخصية في الأمة ، قال الإمام البخاري في صحيحه :

باب : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال حميد وثابت عن أنس شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت ليس لك من الأمر شيء

حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون وعن حنظلة بن أبي سفيان سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون ( صحيح البخاري / كتاب المغازي ) .
وهذا تربية بليغة وعظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعدهم أن المبادئ والأراء لا تمرّر بحجّة المأساة و المعاناة ، ولم يقبل الله عز وجل من نبيّه صلى الله عليه وسلم أن تتعدى جناية المشركين إلى أن تكون سببا لعدم فلاحهم ، أو نجاح المسلمين ، فنزل قوله تعالى : ( ليس لك من الأمر شيئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فأنهم ظالمون ./ آل عمران )
وحديثي في هذه المقالة ليس عن نفي أو إثبات معاناة أحد ما أو إنكار “الهلوكوست” إنما حديثي إن صح التعبير عن استغلال الجماعات لها و إلزامك بتقبلها ، فأن يعاني ” بوذا ” في سبيل الحقيقة ليس يعني بحال أن أقبل تلك الحقيقة التي توصل إليها ، لكن مجهوده يشكر وتبقى مبادئه قابلة للقبول والنقد .
أي هلوكوست لأهل السنة ؟ :
إننا اليوم نشهد في غمرة الثورة السياسية والفكرية في منطقتنا تصدّي من علماء الفقه والحديث للناقدين من المفكرين والعلماء لقواعد هذه الثورة ومعوّقاتها ، حيث وُجدت أوّل العقبات أمام إنجاح الثورة ببلداننا المتخلّفة تركة ثقيلة لأهل السنة والجماعة ، حيث جعل الحديث والروايات و القواعد والأصول وما روي في ذلكم عائقا و لافتة ترفع لمواجهة الثورة  ، واتخذت تلكم المبادئ قامة علمية لا تنتقد لأنها جاءت على اثر معاناة عالم أو شيخ ما في غابر الأزمان في جمع روايات أو تقعيد أصول وجعلت تلكم الأراء والمبادئ قواعد لا محيد عنها واختلط بما عدى القرآن ( الحديث وأصوله ، الفقه وأصوله، التفسير وأصوله ، التاريخ وسفوله)  العرفي والسياسي و المتغيّرات والثوابت في قالب و تركة واحدة مقدسة لأهل السنة والجماعة حتى لو كان خليطا بين حق وباطل…
ـ عهد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله :
كان أوّل مبدأ  رفعته الأنظمة الإستبداديّة إبان إشتعال المنطقة مبدأ ( وجوب الطاعة لولاة الأمور ) و قامت ببث أبواقها الدعائيّة لأجل تخدير المجتمع بالسلطة الدينية التي نعرف أنها أقوى في مجتمعاتنا من أي سلطة أخرى ، حتى رأينا الهالك “معمّر القذافي” في قنواته يبث إبّان الثورة بشكل يومي دروس علماء تأثروا بتلكم التركة كالشيخ العلامة ناصر الدين الألباني وابن باز والعثمين وغيرهم من علماء هذا العصر الذين هم استمراريّة لمنهج أحمد بن حنبل رحمه الله في وجوب الطاعة للأمير طاعة عمياء كالخرفان ، يقول بالحرف العلامة السلفي محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في وجوب طاعة ولي الأمر (اسمع وأطع في أي حال من الأحوال ، حتى في الأثرة؛ يعني إذا استأثر ولاة الأمور على الشعب، فعليهم أيضاً السمع والطاعة في غير معصية الله عزَّ وجلَّ. فلو أن ولاة الأمور سكنوا القصور الفخمة، ركبوا السيارات المريحة، ولبسوا أحسن الثياب، وتزوجوا وصار عندهم الإماء، وتنعموا في الدنيا أكبر تنعم، والناس سواهم في بؤس وشقاء وجوع، فعليهم السمع والطاعة ؛ لأننا لنا شيء والولاة لهم شيء آخر. فنحن علينا السمع والطاعة ، وعلى الولاة النصح لنا، وأن يسيروا بنا على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن لا نقول إذا استأثروا علينا وكانت لهم القصور الفخمة، والسيارات المريحة، والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، لا نقول : والله لا يمكن أن نسمع وهم في قصورهم وسياراتهم ونحن في بؤس وحاجة، والواحد منا لا يجد السكن وما أشبه ذلك. هذا حرامٌ علينا، يجب أن نسمع ونطيع حتى في حال الأثرة.وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه للأنصار رضي الله عنهم: (( إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) يقول للأنصار ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة: ستلقون بعدي أثرة من ذاك الوقت والولاة يستأثرون على الرعية، ومع هذا يقول: (( اصبروا حتى تقلوني على الحوض))  فليس استئثار ولاة الأمور بما يستأثرون به مانعاً من السمع والطاعة لهم، الواجب السمع والطاعة في كل ما أمروا به ما لم يأمروا بمعصية .اهـ / شرح رياض الصالحين المجلد الثالث/ 80 باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية  ) .

ومثل هذا الكلام الذي ينبي عن ضحالة معرفية في الفقه السياسي لعلمائنا لم يستند على منطلقات هشة كما يتصور بل إنها ألصقت وعلّقت بالكتاب والسنة ، بل إن أصوله ومنشأه ضاربة في القدم حيث ظهرت وتأسست بعد وإبان ” هولوكست أحمد بن حنبل ” أو ما يعرف تارخيا بفتنة خلق القرآن ، ولم يكن ظاهراً هذا المنهج عند الصحابة و التابعين فنجد مثلا أن الشيخ بن عثيمين رحمه الله باستدلاله  بحديث النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم ناسيّا كون الأنصار قد فهموا هذا الحديث على غير فهمه هو بطريقة أحمد بن حنبل ، حيث رأينا الأنصار في الوقعة الشهيرة ” وقعة الحرة ” ثاروا على الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية ، وعلى هذا كان السلف الأوائل في الإنكار و عصيان أئمة الجور وعليه مذهب الإمام مالك ومن قبله أبو حنيفة ، فما الذي جعل علماءنا يأخذون بمذهب أحمد بن حنبل في الصبر ويترك مذهب المهاجرين والأنصار في الإنكار ؟ لا أعتقد أن هناك شيئا تسبب في ذلك  سوى الإستغلال البشع لمعاناة الإمام أحمد حيث ضخّمت مبادئه من بعد وآراءه لتكون منهجا للأمة عوضا على منهج السلف الأول، فلم تتأثر مدرسة أهل السنة بالمتغيّرات كما تأثرت في عهد الإمام أحمد حيث كانت حملات فقهاء بني أمية وبني العباس على الأمة لأجل إخماد ثوراتها تبوء بالفشل كل حين ، حتى أظهر الإمام أحمد  المذهب المبتدع ” مذهب الصبر ” وأمر بشطب الأحاديث التي تخالف فهمه كما في مسند أحمد عن  أبي هريرة، رضي الله عنه :”يهلك أمتي هذا الحي من قريش” قالوا فما تأمرنا؟ :” قال لو أن الناس اعتزلوهم ” قال عبدالله بن أحمد: قال أبي في مرضه مات فيه:” اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم   يعني قوله “اسمعوا وأطيعوا واصبروا ” والحديث رواه البخاري ومسلم .
فاستطاع رحمه الله تمرير ما درج طوال قرنين من الزمن الحكم الأموي والعباسي على إقناع الناس به باختلاق الأحاديث و المرويات ونجح منهجهم وطغى إلى اليوم على عقليات ومفاهيم الفقهاء ومن خالف مبادئ الأمويين ومن بعدهم وتواطئ أحمد بن حنبل في وجوب الصبر على الولاة اتهم بأنه خارجي و صاحب فتنة ويندر أن تجد بعد الإمام أحمد حركة سنيّة ثورية إلا نادرا جدا عكس ما كان عليه الحال بين حكم بني أمية إلى عهد بن حنبل رحمه الله ، وهنا لا نشك في صدق نيّة الإمام رحمه الله وليس هذا بحثنا.

ـ مصنع الحديث ” المنتج والموزّع والمروج ” :
لا شك أن الأحاديث النبويّة تعرّضت لحملات تحريف و تزوير وتلفيق وكانت مسؤوليّة الفقهاء والعلماء كبيرة جدا بأن يتحمّلوا تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحافظوا عليها من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، لكن تغيّرا كبيرا طرئ على الأساسي من كلام النبوة عبر التاريخ وأضيف إليه الكثير من الباطل وهذا لا ينكره طالب علم ، وقامت جهود معتبرة لعلماء الأمة لأجل تنقيّة هذه التركة
وابتدأ جمع الحديث النبوي وتدوينه في عهد الأمويين بأمر من عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، بعد أكثر من قرن على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ظهور كثير من الفرق والمذاهب ، لكن ما لا بفقهه الكثيرون ( أعني بذلك من يقدّسون التركة برمّتها ) أن الواقع المجتمعي والسياسي له تأثير كبير على جمع الحديث و إختيار صالحه من مختلقه وتأسيس قواعد الجرح والتعديل، فكانت سيطرة الفقه الأموي أو النهج الأموي في الحديث هو الغالب إلى يومنا هذا لأنهم هم من وضعوا أسسه الأولى وعليها سار المحدثون إلا من رحم الله ، حتى وجدناهم يوثقون الطغاة على حساب توهين المستضعفين والمغلوبين، حتى وثقوا قتلة الحسين عليه السلام والنواصب الذين يسبون الصحابة وآل البيت كعمر بن سعد وغيره وطعنوا في أنصار آل البيت وبعض الصحابة ممن كانوا مع شيعة علي لكون السلطة الحاكمة سلطة “النواصب” تعاديهم أشدّ المعاداة ، قال ابن حجر العسقلاني في التهذيب في ترجمة الناصبي لمازة بن زَبَّارة الازدي البصري ( 8 / 458 ): ” قد كنتُ أستشكل توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعي مطلقاً، ولا سيما أن عليّاً ورد في حقه: لا يحبه إلى مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق ” اهـ .
وهذا الاستشكال هو حكاية واقع، وهو ملفة وأنظر إلى التأكيد في عبارة الحافظ ابن حجر ” غالباً ” وفي المقابل ” مطلقا ”  .
وهذا خلاصة استنتاج أمير المؤمنين في الحديث الحافظ بن حجر ( وشهد شاهد من أهلها ) .
فرغم أن لا فرق شرعاً بين من يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وبين من يسب عليا وفاطمة و غيرهم من سادة آل البيت عليهم السلام ، إلا أن المؤسسة الأموية تعدت عداءها لآل البيت لتجعله منهجا ملزما للمسلمين وبه تأثر العلماء والفقهاء إن رغبا أو رهبا ، كما حدث لعلي بن رباح وهو من أجلاء التابعين وأدرك كثيراً من الصحابة ، قال أبو عبد الرحمن المقرئ : كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه فبلغ ذلك رباحا فغير اسم ابنه اهـ . أي فجعل اسمه علي بضم أوله ، انظر : (سير أعلام النبلاء للأمام الذهبي و  ” تهذيب الكمال ” ج13 وتهذيب التهذيب ج7  ) .
حتى إن الوسطيين من أهل السنة تأثروا بطريقة بني أمية وتطور الحال من زمن الصحابة الأوائل الذي كان كثير منهم مثلا يفضّلون عليّا على سائر الصحابة الآخرين ولم يكن ذبك مثار نزعة ما وتم التحول بعد حيث نرى في زمن سفيان الثوري رحمه الله انحدراً من وقوع المفاضلة بين علي والعمرين إلى التفاضل بين علي و عثمان رضي الله عنهما ، و صارت تهمة التشيع القادحة في عدالة الراوي نازلة ممّن يفضل علي على الشيخين إلى من يفضل علي على عثمان ، وتطور الحال إلى جعل معاوية في الترتيب بدل علي عليه السلام عند بعض المتعصبين ،  ثم اسمع لهذه القاصمة أيضا : نقل في شرح الإحياء عن كتاب القوت لأبي طالب المكي قال: كان أحمد بن حنبل قد أكثر عن عبد الله بن موسى الكاظم عليه السلام ثم بلغة عنه أدنى بدعة، قيل إنه كان يقدم عليا على عثمان فانصرف أحمد ومزق جميع ما حمل عنه ولم يحدث منه شيئا. اهـ من (انظر كتاب : الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة / مما نقله عن المرتضى الزبيدي ) . .
وهذا التحول في الأمة قد يستشكله كل باحث في التاريخ لكني أراه من تأثير منهج المنافقين رغم تحذيرنا منهم في آيات كثيرة و كونهم هم العدو ” والله بيشهد إنهم لكاذبون ” . قال الإمام علي رضي الله عنه : ( وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ : أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ ) رواه مسلم .
هكذا تحول السفول الفكري عند المجتمع الإسلامي من الحكم والسيطرة على رجال وجماعة إلى الحكم على الأمة على حساب منهج الخلفاء الراشدين الذي لم يستمر سوى ثلاثين سنة ، وأُحدثت هذه التركة وأجبر الناس على تقديسها و إرعاب مخالفيها بكونهم زنادقة أو ضالين وتم إستخدام قوة “السلطة الدينية”  على المخالفين لأجل نحر مبادئ النبي صلى الله عليه وسلم القرآنية و إحداث مبادئ تتوافق وأهواء سلاطين تلكم الحقبة ، ونحيّ القرآن بل وحذّر منه على حساب إظهار فقه أهل الحديث تماشيا مع أهواء السلاطين إلا ما رحم الله و اطلق عليهم لقب “الأبدال” و “حراس الأرض” و”فرسان العدالة” على طريقة أمراء القرون الوسطى الإستبدادية بأوربا ، قَال: سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ : ( الْمَلائِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الحديث حراس الأرض ) وقال يزيد بن زريع : (لكل دين فرسَان وفرسان هَذَا الدَّين أَصْحَاب الْأَسَانِيد) .
وبه تأثر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا حيث قال :وأما أهل العلم فكانوا يقولون عن أهل الحديث هم الأبدال أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليس من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه: هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا، وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا
إن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب، ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن “أبي قتيلة” أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة، فقال: قوم سوء، فقام الإمام أحمد، وهو ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق، ودخل بيته ) [ الفتاوى 4/96و97 ] .
وقال في العصر الماضي  أبو سليمان عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1242هـ) :
(أهل الحديث هم أعظم طوائف الأمة بحثا ومعرفة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لأنهم قد اشتغلوا بذلك، وأفنوا أعمارهم في طلب ذلك ومعرفته، واعتنوا بضبط ذلك وجمعه وتنقيته؛ حتى بيَّنُوا صحيح ذلك من ضعيفه من كذبه، ولا ينازع في ذلك إلا عدو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين .   “جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية / مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية ”،
الجزء الرابع، القسم الأول) (ص: 124)
وفي عصرنا وجدنا الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني وقد سمعته بالحرف يقول عن العلامة محمد الغزالي ” ضال ” بل قال فيه لا أستطيع تكفيره وأقل ما أقول عنه أنه ضال . لا لشيئ إلا لمنهج الغزالي في ردّ الحديث الذي لا يتوافق مع القرآن والمبادئ الإيمانية والعقلية .
وهذا كله بالزعم أن ما دام العالم والمحدث الفلاني قد كابد المشاق في جمع الحديث فلا يجوز إذا ولو كان ذلك الحديث غير مقبول ، فإنه يجب تقديسه ولأنه استغرق سنوات في جمع الحديث وأفنى عمره في سبيل ذلك ولا تجد أخا من إخواننا تناقشه في حديث ما في الصحيحين أو غيرها إلا أخرج هذه الورقة ليقول لك أن معاناة فلان لجمع الحديث تجعلنا نقدّس تركته ولا نتعرّض لها .
وهذا المنهج يمكن إختصار مبادئه المهمة في ثلاث نقاط :
تقديس الحديث و تعظيم شأن المحدّثين وإعلاء شأنهم ، إزدراء المخالف و رميه بالزندقة و النفاق ، الولاء والبراء على حساب هذين الأصلين .
أما تقديس الحديث والآثار فهو ظاهر في كتب السلف والخلف من السالكين لمنهج أهل السنّة حيث يعدّون رد الحديث زندقة وكفرا وردّة والنقول في ذلك عنهم بعشرات الالاف إن لم نقل مئات الالاف من العبارات التي ورثناها عن سلفنا تجعل للحديث قدسية لا يظاهيها إلا القرآن بل تعدّت بعض الأحيان إلى أن تتجاوز القرآن الكريم واشتهر عن يحيى بن كثير قوله:” السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضٍ
على السنة”.// [ابن عبد البر في  جامع بيان العلم 2/191] وقال البربهاري:”إن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن”. [شرح السنة، ص 33] .
حتى إستنكر مثل هذا القول الإمام أحمد بن حنبل رغم أنه لا يقلّ عنهم تقديسا للحديث فقال :
عندما سئل رحمة الله عليه عن معنى قول “السنة قاضية على الكتاب” ما تفسيره؟ تردد وقال ما أجرؤ على هذا أن أقول، لكن السنة تفسر القرآن، ولا ينسخ القرآن إلا القرآن”. وقال عبد الله ابنه سألت أبي: أتقول في السنة تقضي على كتاب الله؟ قال: قد قال ذلك قوم، منهم مكحول والزهري. قلت لأبي: فما تقول أنت؟ قال: أقول إن السنة  تدل على معنى الكتاب ) وتصرف الإمام أحمد هنا هو من منهج رهبته الردّ على السلف خاصّة من كانوا من شيوخه وهو تصرف أيضا يدل على تقديس كلام السلفأيضا كما أشرت  إليه آنفا ( تعظيم شأن المحدثين وإعلاء شأنهم ) ، لكنا نجد  بن عبد البر رحمه الله يفسر تصرف الإمام أحمد فقال :”يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه” اهـ. وتصرف الإمام بن عبد البر رحمه الله غريب أيضا يدلّ على أكثر من ذلك حيث أوّل كلام الإمام أحمد كي لا يُفقه منه غير منهج المحدّثين في كون السنّة قاضيّة على القرآن  ، ورحمة الله عليهم جميعا فهم أئمة الدنيا و قامات علمية ، لكن هذا لا يجعلنا ننساق وراء أخطائهم والمستنقعات التي وقعوا فيها بحسن نيّة أو تقليداً..
ـ مقتل عثمان رضي الله عنه :
هذا المنهج والطريقة في ترتيب المبادئ مخالف تماما لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه ثم في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلى زمن مقتل عثمان رضي الله عنه على يد الصحابة (1)  وتفرّق شمل المسلمين واتخاذ الدولة الإسلامية شكلا جديدا بدأت فيه الحسابات السياسية تختلف وتتناحر ، حتى وصلنا من بعض من أدركوا ذلك التحول ما ينم على إنقلاب في القيم والمثل ..، قال الإمام المقرئ أبو العالية البصري رحمه الله:
تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط يمينا وشمالا، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي كانوا عليه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ويفعلوا الذي فعلوا، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا بخمسة عشر سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فأخبرت به الحسن [يعني: البصري] فقال: صدق ونصح، وحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت لي: بأهلي أنت هل حدثت بهذا محمدا؟ قلت: لا، قالت: فحدثه إياه. / ( صحح إسناده العلامة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان).
إذا فقبل هذا التحوّل في المجتمع الإسلامي لم تكن تلكم الأهواء قد طفت على المجتمع وكانت الناس بالجملة أفيئ ما تكون إلا ما ندر إلى القرآن ولم يكن الحديث ذا قدسية أو يهاب رده ، كما كان يفعل عمر و علي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وغيرهم  ، انظر مثلا في الصحيحين حديث التيمم ومناقشة عمرَ لعمّار بن ياسر ، كذلك مناقشة بن مسعود لأبي موسى الأشعري ، كذلك رد أم المؤمنين عائشة لكثير من الأحاديث لكونها مخالفة للقرآن أو ما تراها صوابا ، ولم يكن بين الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة ولم يكونوا يتهمون بعضهم البعض بالكذب لكنهم كانوا يخطؤون الناقل لا المنقول عنه وهو منهج أبي حنيفة النعمان رحمه الله من بعد ذلك وارثا إياه عن بن مسعود رضي الله عنه ، بل تنبّأ أمير المؤمنين عمر وغيره من الصحابة أن الأمة ستضلّ لماّ تجعل لنفسها كتبا مقدّسة غير القرآن ، وجاءت أحاديث تمنع كتابة الحديث ولا غاية من ذلك إلا خشية أن تقدّس وتهاب كالقرآن ،  ونقل الإمام بن عبد البر رحمه الله في كتابه جامع بيان العلم وفضله (ص : 272) : عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ جَابِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ  سَمِعْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ يَقُولُ :  (أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ إِلَّا رَجَعَ فَمَحَاهُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ حَيْثُ تَتَبَّعُوا أَحَادِيثَ عُلَمَائِهِمْ وَتَرَكُوا كِتَابَ رَبِّهِم) . و عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَلَا نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوهَا مَصَاحِفَ، إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَدِّثُنَا فَنَحْفَظُ فَاحْفَظُوا كَمَا كُنَّا نَحْفَظ )ُ ( نفس المصدر) .
وتخوف هاذين الصحابيين في زمن الفتنة غير مستغرب بل نستغرب موقف أمير المؤمنين عمر الملهَم الذي كأنه ينظر حال الأمة من بعده حيث كان له موقف عجيب :
قال ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَوْ كَتَبَهَا، ثُمَّ قَالَ:  لَا كِتَابَ مَعَ كِتَابِ اللَّه (المصدر السابق ).
وتأتي هذه الواقعة مفصّلة  كما نقل الإمام عبد البر في نفس الكتاب : …نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَفْتَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَكْتُبَهَا فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ فَقَالَ: (إِنِّي كُنْتِ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَشُوبُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا ).
ـ آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم :
وهذا الذي تخوفه عمر وقعت فيه الأمة من بعده و أشار القرآن الكريم إليه إشارة واضحة فقال عز وجل في محكم التنزيل :
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ،  وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ( سورة آل عمران ) .
وحبل الله هو القرآن الكريم وثبت ذلك في أحاديث صحيحة وهو قول أكثر الصحابة كما تتبعت أقوالهم ، ومنهم من قال أنه الجماعة ، وقول ربنا سبحانه : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات … إشارة إلى ملل اليهود والنصارى التي تفرقت بعد أنبيائهم ، من بعد ما جاءهم البينات وهي كتب ربنا المنزّلة ، وهو تحذير للصحابة والأمة أن تقع في ذلكم ، لكن سنن الله عز وجل لا مبدّل لها وكان إبتداء إنحراف الأمة عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات حياته وظهر وتجلى في عهد عثمان و تم بمقتله رضي الله عنه كما سنبين  ، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال : فمن ؟ ( رواه البخاري ) وللحديث قصة :
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْن وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ / صححه الترمذي والألباني.
وقد حدث التحول عندما اختلط مشركوا قريش والأعراب بالمهاجرين والأنصار الذين تربوا على يد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ففي نفس معركة حنين التي وقعت فيها قصة ذات أنواط وهي من آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وفي قسم الغنائم ظهر ذو الخويصرة التميمي زعيم الخوارج وظهر نوع جديد من النفاق وتغيّرت طريقة المعركة بين الإيمان والنفاق حيث غير ثلة من المنافقين استراتجيتهم العدائية للمؤمنين وهذا ما لم يتفطّن له أحد من الباحثين في التاريخ الإسلامي إذ نجد أن رأس الخوارج هذا وهو من المنافقين كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخذري رضي الله عنه في سبب نزول قوله تعالى ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعدل فإنك لم تعدل ، كان يقصد بذلك تقويم النبي صلى الله عليه وسلم وإعداته إلى العدل ،وفي رواية قال للنبي صلى الله عليه وسلم اتق الله واعدل ،  هذا التحول في منهج المنافقين نجده أيضا في بنائهم لمسجد الضرار قال ربنا : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) سورة التوبة.
والذي أعتقده أن من أسباب نزول سورة التوبة في آخر ما نزل من سور  القرآن بغير بسملة هو هذا التحذير من التحول الحاصل وإنذار للأمة بخطر المنافقين واستمرارية المعركة بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم بهدف القضاء على الإسلام الأصيل ولا أدل على ذلك من بعثه صلى الله عليه وسلم بها مع علي عليه السلام ، حيث كان من قاتلهم بعد ظهور المنافقين حين قتلهم لعثمان رضي الله عنه كما  ثبت بعدة طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ياعثمان إن الله تعالى مقمصك قميصا,فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه ) صححه ابن حبان والألباني وشعيب الأرنؤوط وقال الشيخ مقبل : إسناد الحديث عندَ الإمامِ أحمدَ وأبي عيسى التِّرْمِذِيِّ : حديثٌ صحيحٌ على شرط مُسْلم /  وقد جمع طرق هذا الحديث الشَّيخُ سعدٌ الحُمَيِّد وغيره في تخريجهم للحديث من كتاب العلل لابن أبي حاتِمٍ   ج 6 ص 371 ـ 373) فلتراجع .  (

وهذا ما أخبر  به النبي صلى الله عليه وسلم  الإمام علي كما في الحديث :
(إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن ، كما قاتلت على تنزيله ،  فاستشرفنا و فينا أبو بكر و عمر فقال : لا  و لكنه خاصف النعل . يعني عليا رضي الله عنه .) [صححه الألباني السلسلة الصحيحة – المجلد 5 – 2487] .
كذلك  حديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأحمد وهذا لفظه :
..عن شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏قتادة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي نضرة ‏ ‏عن ‏ ‏قيس ‏ ‏قال ‏ قلت ‏ ‏لعمار ‏ ‏أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم فيما كان من أمر ‏ ‏علي ‏ ‏رأيا رأيتموه أم شيئا عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال لم يعهد إلينا رسول الله ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ‏شيئا لم يعهده إلى الناس كافة ، ولكن ‏ ‏حذيفة ‏ ‏أخبرني عن النبي ‏ صلى الله عليه وسلم  ‏ ‏قال ‏ ‏:( في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى ‏ ‏يلج ‏ ‏الجمل في ‏ ‏سم ‏ ‏الخياط) .
وتصريح عمار بن ياسر رضي الله عنه هنا خطير للغاية فهو يكشف جوهر المعركة و أسّها إذ أنها معركة بين النفاق والإيمان ، وفي الأخير تغلّب المنافقون على الأمة وقاموا بسلبها أعز ما تملك ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ليشيع القمع والإستبداد في الامة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم :
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ثم سكت . قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر بعد الملك العاض والجبرية فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه) . رواه أحمد وصححه الألباني .

وقد حدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة الخلافة التي على منهاج النبوية بثلاثين عاماً، فكانت كما أخبر صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وسلم :.
فعن سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك”
وفي رواية ” خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يُؤتي الله تعالى الملك ـ أو ملكه ـ من يشاء”
قال سفينة: امسك، خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وعمر رضي الله عنه عشراً، وعثمان رضي الله عنه اثنتي عشر، وعلي ستّاً.. رواه أحمد والطيالسي وأبو داود والترمذي والنسائي والطحاوي وغيرهم، وصححه أحمد بن حنبل وابن حبان والحاكم . وصححه ابن كثير .
وفي مصنف بن أبي شيبة : .. سعيد بن جمهان قلت لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم ، قال : كذب بنو الزرقاء ، بل هم ملوك من شر الملوك ، وأول الملوك معاوية .

فكيف إستطاع بنو أمية تحويل المنهج من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض وراثي وجبري ، هذا ما سنعرفه في البحث القادم بحول الله والله المستعان .. نسأل الله أن يرزقنا حسن القصد آمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل عثمان تم بتواطئ من الصحابة رضي الله عنهم وبمشاركة بعضهم وسكوت أغلبهم وهذا بحث سيأتي أوانه إن شاء الله ،  المرجو مراجعة سيرة طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين في الجنة في سير أعلام النبلاء بتحقيق الأنؤوط.

*إمام وخطيب مسجد ( موقوف )

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

تعليق واحد

  1. محمد الأمير

    أسي المرتضى أرى أنك لا تقف على أي أرضية صلبة لذا تغير مبادئك كما تغير ملابسك……والمتابع لك يرى ذلك بوضوح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *