الجمعة , سبتمبر 24 2021
الرئيسية / آراء / لبنات المجتمعات الديمقراطي……3) دولة المؤسسات أو دولة القانون

لبنات المجتمعات الديمقراطي……3) دولة المؤسسات أو دولة القانون

عماد لبوز :

في البداية يمكن القول بأن مفهوم الدولة في شموليته ليس قديما على المجتمعات البشرية، فمعظم المفاهيم التي توحي وتعبر عن القدرة والنظام والتنظيم بزغت بالتحديد في المدينة اليونانية عند الإغريق، ولدى الامبراطورية الرومانية، والمفهوم الحديث والمعاصر للدولة نشأ تدريجيا ابتداءا من القرن الرابع عشر في أوروبا، وبين القرنين الرابع عشر والخامس عشر دخل هذا اللمفهوم وأدرج ضمن المصطلحات السياسية والقانونية، واصبحت الدولة تؤلف الطريقة الوحيدة لجمع المجتمعات في العالم المعاصر في إطار وكيان سياسي. وفي منتصف القرن السادس عشر وبالضبط في فرنسا أصبحت تعبر هذه الكلمة عن حقيقة جديدة، اي المجتمع السياسي الأعلى الذي تنضوي تحت سلطانه سائر ومعظم السلطات السياسية والإجتماعية، وهذا ما يعرف في أنظمة الحكم الدولية بالديمقراطية، التي في ظلها نشأت دولة المؤسسات أو ما يصطلح عليها أيضا دولة القانون، حيث لم يعد من الممكن أن يقول الحاكم أو رئي الدولة ”أنا الدولة”.

فما  المقصود بالدولة الحديثة؟ وما معنى دولة المؤسسات أو القانون؟

إن جوهر وفكرة نشوء وظهور دولة المؤسساتت الديمقراطية، يكمن في الدولة الحديثة حيث لا وجود لمؤسسة واحدة و لا وجود لسلطة واحدة، وإنما هنالك سلطات وكل منها تمارس بواسطة مؤسة دستورية، حيث نجد بالخصوص:

  1. سلطة تشريعية، والتي تمارسها سلطة اسمها البرلمان وتكون هذه الأخيرة – سلطة البرلمان- محمدة من طرف نص دستوري وتتكون سواء من مجلس واحد أو مجلسين اثنين أو ما يطلق عليها الثنائية البرلمانية.

  2. سلطة تنفيذية، تمارسها كل المؤسسات التنفيذية لما يصدر عن مؤسسة التشريع.

  3. سلطة القضاء، تمارسها المحاكم على اختلافها أنواعها واختصاصاتها (محاكم إدارية، محاكم تجارية، محاكم عسكرية…).

وكل سلطة من هذه السلطات لها اختصاص محمد في إطار الدستور، فإذا خرجت عن هذه الاختصاص المحدد كان خروجا غير مشروع وغير قانوني، وببذالك لا يستطيع أحد التدخل في اختصاص أي منها، لأن الدستور والذي يعتبر أسمى القوانين داخل الدولة، وزع الاختصاصات وحدد لكل مؤسسسة مجالات تدخلها واشتغالها.

يمكن تعريف مفهوم دولة المؤسسات أو دولة القانون على أنها مجموعة من المؤسسات المسيرة والمدبرة لدولة ديمقراطية معينة المستقلة عن شخص الحاكم ,ان يكتسب هذا الاستقلال الصفة والصبغة القانونية، والمفترض في دولة المؤسسات أن يكون الجميع تساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، كما أن خضوع الحاكم يعتبر خضوعا تاما كسائر المواكنين دون أدنى تمييز، حيث الجميع يحصل على حقوقه بطريقة ديمقراطية ومؤسسااتية، وبشكل حضاري راقي.فالمؤسسات قديمة قدم الوجود البشريس، وتحول الدولة نفسها إلى مؤسسة من المؤسسات، أي انفصال سلطاتها عن شخص الحاكم، واكتساب هذه السلطات لطابع قانوني محض و لا لطابع شخصي، هو بمثابة انجاز كبير للدولة الحديثة مما جعل مؤسسة الدولة تتبوأ مكانة سامية في عصرنا الحديث، ومحور نضال العديد من المنظمات الحقوقية والديمقراطية المجتمعية، ومطلب دولة المؤسسات كان بمثابة الشعلة النيرة لظهور عدة من الحركات الاحتجاجية بالبلدان المغربية والبلدان العربية.

إن نشوء الدولة بشكلها المؤسساتي الحديث الديمقراطي، صاحبها ورافقها إنشاء وإحداث وخلق مجموعة من الضوابط داخل المجتمع لمنع بطبيعة الحال تسلط فئات اجتماعية معينة على مقاليد الحياة الاجتماعية اليومية، مما مكنها من أخذ مفهوم جديد أطلق عليها ”دولة المجتمع المدني”، الذي لا يكون الفرد/ الشخص/ المواطن فيه عبدا لروابط عائلية، أو قبلية أو سلطوية معينة تنبع سواء من إقليم معين، أو من طائفة معينة.

في دولة المؤسسات تدار مؤسساتها وأجهزتها بشكل ديمقراطي، وما يصدر عنها من خطط وسياسات يكون واجب رئيس المؤسسة فقط (بالإظافة إلى إدارة هذه المؤسسات)، ووجب تنفيذ هذه الخطط والسياسات وعمل كل ما يقتضي لتنفيذها، علاوة على ذلك، فكل هذه المؤسسات تراقب بعضها البعض وتخضع للمساءلة والحساب أمام المؤسسات الأخرى في ضوء القانون والدستور، الذي من المفترض أن لا يتمخض عن تطبيقهما تعسف أو استئثار أو سوء استخدام أي من المؤسسات للسلطة وذلك كنتيجة طبيعية للرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة.

تنشأ السلطات في دولة المؤسسات وفقا لقواعد قانونية سابقة تحدد كيفية اسناد السلطة إلى فرد من أفراد معينين، ثم تحدد القواعد القانونية بعد ذلك اختصاصات كل فرد أو مجموعة من الأفراد أو الهيئات، كما تعني أيضا أن السلطات تمنح لمؤسسسات و لا تمنح لأفراد على أن يكون تمثيل هذه المؤسسات من طرف الشعب ويكون تشكيلها بشكل مباشر وبرضاه (عن طريق الانتخابات).

أما الأفراد الذين يتواجدون على رؤوس المؤسسات فسلطاتهم تنفيذية وتنظيمية، أي واجباتهم واختصاصاتهم في الأساس هي القيام والإشراف على تنفيذ الخطط والسياسات التي وضعتها المؤسسات المشرعة، أي أن الذين يديرون البلد ليسوا أفرادا وغنما مؤسسات دستورية وإدارية ولا تتخذ أي إجراء إلا من خلال القانون، والخروج على هذا المبدأ، يعني الخروج عن نطاق دولة القانون وتعزيز الفردية، الأنوية، الفوضى والتشتت.

من جهة، تفترض وتستلزم دولة المؤسسات إلى جانب سيادة القانون، تقابل السلطات ومراقبتها كما ذكرت سلفا لبعضها البعض، وتوازي وجود فضاء من الحرية السياسية التي تمكن لكل فرد ولكل مواطن أن يكون كائنا متمتعا بالحرية ومساويا لغيره، وممتلكا للحقوق الضامنة والمؤطرة لهذه المساواة، وفاعلا سياسيا مساهما في السير قدما بعجلة النمو داخل المجتمع.

من جهة أخرى نجد أن الجانب الاقتصادي الذي يهم دولة المؤسسات، هو التطبيق الفعلي لمبدا ”لا أحد فوق القانون”، أي إلغاء الامتيازات الاقتصادية والضريبية وإلزامية أداء الضرائب، ومستحقات الدولة، هذا المبدأ ينطبق على الججميع و لا فرق بين فرد أبيض وفرد أسود، لا فرق بين رجل سلطة وبين رجل عادي.

يتحدث كثيرون من أتباع الحكومات المغاربية والعربية بوجه خاص، والحكومات كذلك بذاتها إن صح التعبير، على أنها دول مؤسسات. فياترى أين يكمن وجودها داخل نطاقاتنا الجغرافية المغاربية؟.

لقد أصبحت أوطاننا عبارة عن مزارع ومراعي وضيعات خاصة تدار وتسير من قبل ((((الزعماء)))) وأتباعهم وحاشيتهم، حيث تقسم ثروات أوطننا الطبيعية والمعدنية والغابوية والحيوانية إلى ممتلكات خاصة تدار فيما بينهم وأتباعهم من المطبلين لهم، حيث يختفي القانون وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات.

من خلال هذا المنطلق، تبدوا الدول المغاربية والعربية، دولا تعاني بقدر كبير من الفوات التاريخي، فهي مازالت أقرب إلى دولة القوة وإلى الدولة الشرعية وأقرب إلى دولة القبيلة (آل الفاسي، آل بناني كنموذجين حيويين بالمغرب)، أقرب إلى دولة الولاء الشخصي، فبدلا من يكون الدستور في هذه البلدان سابقا عن شخص الحاكم أو رئيس الدولة، نجد أنه مايزال في أغلبية الأحوال يتبعه في كظله، ويرتهن بأهوائه وهواجسه، فعدم التزام هذه الدول أو الأجدر عدم العمل بمبدأ دولة المؤسسات هو السبب في تفشي اقتصاد الريع، الفساد الإداري والقضائي والاقتصادي.

فالدول المغاربية والعربية اليوم، أخذت من مؤسسات الدولة الحديثة مظاهرها فقط، إظافة إلى استعمالها بشكل منحرف، مما أدى إلى تقوية أصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع، أي أن الدولة عندنا أصبحت وسيلة لفرض المزيد من الاستعباد، كما أن التقاليد الموجودة في هذه المجتمعات، وهنا أخص بالذكر التقاليد المزيفة والوضعية التي تتنافى مع القيم الحقيقية لشعوب شمال إفريقيا،  تقاليد عميقة الجذور فرضتها السلطوية، وبالنسبة للتقاليد العربية فهي ترجع إلى العهد الجاهي وبالضبط في الهيكلة القبلية لدى العرب، وربما لا زالت موجدة لحد الآن. في هذا السياق نرى نزول الأديان السماوية الساعية إلى تحرر الانسان من وطأة الاستبداد والسلطة المطلقوووو النابعة من العائلة والقبيلة، بحيث يصبح الانسان حرا يمارس مسؤوليته الشخصية بكل حرية، وليحيا ويعيش حياته الاجتماعية حسب معتقده الشخصي لا حسب تقاليد القبيلة والعائلة.

 

إن المثقفية ذو النزعة العربية أو القوميين العرب، مسؤولون بشكل كبير عن هذا التقصير، حيث لم يكن لهم دور فاعل في هذه القضايا، فهم في معظم الأحيان أقرب إلى فقهاء، السلطان، وكان همهم التبرير لتقلد هذه السلطة، ومن ثم تبرير كل تصرفاتها وسلوكاتها ممهما كانت، وأصبحوا أعوانا للسلطة الاستبدادية، فبعد الكواكبي الذي أولى أهمية كبرى للحريات العامة ومكافحة الاستبداد، ركز المفكرين الذين أتو بعده على محاربة الاستعمار ولو يعطوا قضية الحريات العامة وعلم تنظيم المجتمعات أهميتها الموضوعية.

 

إن أهم عناصر الانتماء إلى العصر الحديث وللحداثة عامة في القرن 21 هي دولة المؤسسات ودولة القانون، ويهدف بناء هكذا نوع من الدول إلى حماية مواطنيها واحترام حقوقهم وحرياتهم والحفاظ على الانسان ككائن مقدس، وكذات مفكرة، مبدعة ومنتجة.

من هنا، يمكننا القول أن تعبير دولة المؤسسات، هو مفهوم سياسي وقانوني في نفس الوقت، سياسي لأنه يعبر في الأساس عن طموح جماعي مشترك، والمتمثل في الشعب من أجل مواجهة السلطة (الحكم)، وقانوني لأن هذه المؤسسات مسيرة واختصاصاتها محددة من طرف القانون واللدستور دون الخروج عن نطاقهما.

إن أزمتا الحرية والديمقراطية، وأزمة إقامة مجتمع مدني مسؤول، هما أزمات عدم فهمنا لتاريخنا ولحضارتنا، ومهمتنا اليوم إيجاد البدائل لكل ما هو مطروح، ولكل ما هو أحادي مطلق، حيث يجب علينا تغيير التصورات الذهنية الجاهزة، وإذا كنا نطالب الحوار مع أعدائنا، ونساعد بلدان معينة لا تمت لنا تاريخيا، هويتيا، حضاريا بأية علاقة، فالأولى أن نتحاور فيما بيننا كأفراد نعيش في نطاق جغرافي واحد، فلم تعد الديمقراطية طرف يهم المثقفين فقط، بل قضية جماعية مشتركة من أجل استعادة العقليات والذهنيات والأفكار المستلبة لإنساننا، ودوره وكرامته بعد أن فقدهما.

في الأخير، إن فكرة دولة المؤسسات لا تحمل أية مزاعم اجتماعية أو أخلاقية في العدالة الاجتماعية، بل هي مجرد تنظيم لمسألة السلطة، بهدف توفير الشروط الدنيا لانطلاق عملية التنافس الاجتماعي، ومن ثم فإن مصدر قوتها يتمثل بالخصوص في تحقيق التساوي القانوني بين المواطنين. فترسيخ قيمة الديمقراطية تعني تبني قيم الاختلاف والتعددية السياسية، بمعنى أن الاختلاف حق لبني البشر وقد أرست الديانة السماوية هذه الدعامة، وأن كل اتجاه فكري أو سياسي يستطيع أن يعبر عن نفسه ويدعو الناس إليه، وصاحب الأغلبية والخطاب العقلاني (قوة الخطاب) من حقه أن يحكم كما أن الأقلية من حقها أن تعارض وأن تسعى لتكون الأغلبية في يوم من الأيام، وهكذا يتم تداول السلطة سلميا وفي ظل سيادة القانون.

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *