الجمعة , سبتمبر 24 2021
الرئيسية / آراء / المسألـــــــــــــة النّسويــــــــــة : المكتسبات والتحديات

المسألـــــــــــــة النّسويــــــــــة : المكتسبات والتحديات

 زكرياء الريسوني :

    لقد شكل الدستور الجديد بمضامينه الجديدة  للمملكة المغربية، تثبيت مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة، إذ أعطى مكانة خاصة لحقوق الإنسان في جوانب هامة متمثلة في المصالحة الوطنية الشاملة  وإنصاف الفئات المهمشة من أطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء..

   وقد استجاب  الفصل: 19 من الدستور لمطالب عديدة تخص المرأة المغربية، وخصوصا تحقيق مبدأ المساواة، وإقراره إحداث هيئة للمناصفة، ومكافحة كل أشكال التمييز.

    وهنا يمكن أن نتساءل:

    ما هي المجالات التي تمكن المرأة المغربية المعاصرة من تنمية وضعيتها  ؟.

   وهل عزوف انخراط باقي النسوة في المجالات الحياتية راجع لعدم بذل الجهد في استقطابهن ؟ أم سببه ضعف الجهود الكافية لبناء التحالفات والشبكات المحلية والإقليمية والدولية الفعالة ؟..

  اسمحوا لي قبل الإجابة عن هذه الأسئلة الملحة، أن أبدأ بتأصيل للإطار المرجعي الذي يؤطر المرأة المغربية المسلمة بصفة عامة وهي لا تخرج عن ضوابط أربعة :

– الضابط الأول : القرآن الكريم .                                         أحكام الأسرة .

– الضابط الثاني : السنة النبوية الشريفة ( القولية / الفعلية ).

– الضابط الثالث : اجتهاد العلماء المعتبرين وفق هذين الأصلين السابقين .

– الضابط الرابع : العرف الذي ينشأ من خلال الحراك داخل المجتمع.

   هذه الضوابط الأربعة هي التوجيه الثابت الذي أطر المرأة المغربية منذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد حرسها الله وعلى هذه الثوابت الدينية ترجع فيما يتعلق بشؤونها الحياتية ومشاكلها الأسرية فليس في الإسلام السني الذي تتبناه الدولة المغربية ما يبرر إقصاء المرأة عن دائرة المشاركة في بناء المجتمع ومساهمتها في تنمية بلدها، وهذا يؤكده القرآن الكريم من خلال قوله تعالى : (( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء )) قرآن، وقوله سبحانه : (( ولهن مثل الذي عليهن  بالمعروف ))قرآن، وفي الحديث النبوي  الشريف: ” النساء شقائق الرجال “، كل هذه النصوص المعصومة تنبؤك بحقيقة  المجتمع المسلم الذي لا يحس بالفوارق بين الجنسين إلا أن تكون فوارق مردها ما بين درجة الإيمان والتقوى والكفر والعصيان، أما تحمل المرأة الخطيئة والوزر بدون سبب كما هي المنطلقات الدينية لدى اليهود والنصارى فإن هذه (الخطيئة الأصلية) لا وجود لها. لقوله تعالى : (( وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى )) قرآن . فلا ذنوب ولا خطايا تتحملها المرأة في ديننا الإسلامي الحنيف، وليس فيه ما يبرر إقصاء المرأة عن مشاركتها ودعمها لأخيها الرجل في الميادين التي يبيحها لها ديننا الإسلامي وفق الضوابط السابقة الذكر، وإلا نكون قد ظلمنا الإسلام وأمة الإسلام قبل أن نكون ظلمنا المرأة .

   إذا نحن مع حق المرأة الذي يرتق إلى مستوى الواجب في المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية   على أساس المساواة الكاملة في إطار أخلاقيات وضوابط الإسلام.

   وعلى هذا الأساس المرجعي اتخذت المملكة المغربية قرارات عديدة لإنصاف المرأة وإشراكها في كل أوراش البناء والتغيير وشكل الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في 9 مارس 2011 ثورة ملك وشعب جديدة في مغرب جديد ، ويحق لنا أن نفتخر اليوم بأن المرأة المغربية قطعت أشواطا هامة عبر مراحلها التاريخية النابضة بالحياة .

    وقبل هذا وذاك، لا بد أن نستحضر ما قدمه الملكين المجاهدين المصلحين الحسن الثاني ومحمد الخامس -طيب الله ثراهما- للنهوض بوضعية المرأة وإشراكها في إدارة شؤون الحياة العامة وتولي المسؤوليات وجعلهن منتجات لا مستهلكات فقط .

   هذا الحراك الإصلاحي للمرأة في المجتمع المغربي منذ الاستقلال لم يأت من فراغ؛ بل جاء بناء على الدور النضالي الذي ساهمت به المرأة المغربية منذ المقاومة إلى الاستقلال ، فتحملت أعباء الحرب والدفاع عن حوزة الوطن وخوض معركة التحرير  مع أخيها الرجل ، هادفة إلى تحقيق الاستقلال وعودة الملك الشرعي آنذاك للبلاد.

   ومن باب الغيرة على المرأة المغربية وإملاء الفراغ  لبناء مجتمع منتج  كما جاء في أحد خطابات الملك الراحل الحسن الثاني -رحمه الله- جاءت فكرة تأسيس الاتحاد الوطني النسوي بمقتضيات الظهير الشريف الصادر في 3 جمادى الأولى  1378هـ الموافق لـ 15 نونبر 1958م. فكان البداية الحقيقية للجمعيات النسوية المنبثقة من النساء العضوات سواء نساء مؤسسات ونساء عاملات ونساء شرفيات ومحسنات.

   واستجابة لهذه التطلعات الملكية السامية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى وقتنا الحاضر، أي ما يزيد عن أربعين سنة، قام)الاتحاد الوطني لنساء المغرب( بإنشاء الخلايا النسوية التابعة له لتحقيق الأهداف المساعدة للمرأة المغربية في جميع الميادين من أمومة وتمدرس وإلغاء للتمييز، والاستفادة من إمكاناتها المادية والأدبية، وتحسين مستواها العائلي بوصفها بنتا وزوجة وأما ومواطنة، هذا كله في دينامية اجتماعية وعمل واسع النطاق يمتاز بوعي كامل ونضج فكري.

  ولا أدل على ذلك  مراسيم  توقيع الاتفاقيات التي ترأستها مؤخرا صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا مريم رئيسة (الاتحاد) بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، وبحضور الرئيسة المنتدبة )للاتحاد( الشريفة للا أم كلثوم العلوي بنت الأميرة للافاطمة الزهراء رحمها الله، التي قامت بالنيابة توقيع الاتفاقية الأولى مع وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية في إطار التعاون من أجل النهوض بوضعية المرأة وحماية حقوقها ، وأيضا توقيعها – بارك الله في عمرها- الاتفاقية الثانية مع الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية والمتعلقة بالعمل المشترك في الوساطة والتحكيم لحماية المستهلك. واتفاقية ثالثة لإرساء شراكة لمناهضة التحرش والعنف ضد المرأة ، وقعتها مع الكاتب العام لوزارة الصحة ، ومنظمة الصحة العالمية فرع المغرب. أما الاتفاقية الرابعة فتتعلق بإبرام بروتوكول تعاون والعمل المشترك وقعتها – حفظها الله – مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة  ) إيسيسكو( .

     ثم الاتفاقية الخامسة تهم تقوية الشراكة والتعاون مع صندوق الأمم المتحدة  لتنمية السكان وقعتها مع ممثلة الصندوق بالمغرب. كلها تظهر مدى تقدم المجتمع ومدى وعي المرأة المغربية بحقوقها وكذلك بواجباتها دون تهرب من المسؤولية، وأيضا إصرار )الاتحاد( في تطوير أساليبه وبنياته وبرامجه وتحركه كما يتحرك المجتمع، فما أحوجنا إلى زعامات نسائية على كل صعيد من نوع  صاحبة السمو الأميرة الجليلة للا مريمحفظها الله ووفقها لكل خير– والشريفة للا أم كلثوم – بارك الله في عمرها-  للمساهمة في تنمية مشاركة النساء المغربيات في الحياة العامة والارتقاء بوعيها بما منحها الإسلام والعالم من حقوق تتماشى ومعتقداتها وإنسانيتها .

    ويحق لنا – أن نكون صرحاء أكثر-  اليوم رغم المكتسبات المتزايدة التي حققتها وتحققها نساء المغرب في مختلف الميادين، وما أحرزته وتحرزه من مراتب متقدمة في جميع المجالات، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله ونصره، إلا أنه لابد من الحديث عن التحديات التي تواجه  -خصوصا- النساء والفتيات )القرويات(  اللواتي يشكلن الفئة الأكبر المحرومة من معظم الحقوق والامتيازات على مستوى الوطن مقارنة مع ما تحققه مثيلاتها من النساء والفتيات في المجال الحضري – طبعا- مع ما يناسب إمكاناتها في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وهذا ما ندعو إليه، وجود مناضلات نسوانيات داخل الاتحاد يجلبن جمهور  النساء القرويات المحرومات ويعملن على توفير ما هو اجتماعي أكثر : ) محو الأمية – إرشادات قانونية / طبية – إبراز أنشطة يدوية لها خصوصية كل منطقة – أنشطة زراعية موسمية – أطفال وفتيات القرية، وغير ذلك.. ( في إطار خصوصيات كل منطقة، هذه الفجوة تجعل المغرب يعاني بقوة لتخطي أوضاعه وتحقيق النجاح لبرامجه التنموية. وهو ما تدل عليه الأرقام والمعطيات الواردة في الحوليات، فمثلا حسب حولية لعام 1984، حيث بلغت الأمية في المدن 50%، غير أن القرى تكون أوضاعها هشة وتجعل الهوة تتزايد إذ تبلغ نسبة الأمية حتى بين الأطفال 10 سنوات إلى 14 سنة 82.2% ورغم غموض الأرقام أو عدم مصداقيتها في بعض الأحيان، من المقبول اعتبار أن حملات دروس محو الأمية التي تدعمها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني بشكل مستمر تشكل تحديا خاصا على مستوى النساء والفتيات القرويات اللواتي توقفن عن الدراسة. فهن فئة يجب مساعدتهن والمبادرة في ترقيتهن وعدم بخسهن قدرهن لحضورهن القوي كناشطات في الزراعة سواء مأجورات في الإنتاج الزراعي أو الإنتاج الغير الزراعي أو أشغال إزاحة الأعشاب الضارة من الغرس، فهن اللواتي يضمن استمرار الحياة العائلية الصغيرة واستقرارها في القرى دون الهجرة للمدن، ولا نرضى أن  يكن فئة  نضحي بها في هذه الطفرة الحقوقية التي تعيشها المرأة المغربية، علما بأنها تشغل أكثر من ثلاث مهام أو أشغال شاقة فهن : عاملات وزوجات وأمهات.

   وخلاصة القول : إن الإجابة عن هذه الأسئلة يتطلب نظرة ثاقبة تحليلية، وكذلك إعادة النظر في معطيات المرحلة الحالية بكل إنصاف وتجرد عن النظرة الضيقة، وأشير هنا إلى مجموعة من الإشكالات التي قد تكون مسؤولة عن هذه الحالة أذكر منها:

  • إن الحركات النسوية تتهم بشكل عام بالنخبوية والتمايز، وعدم الانخراط الكافي داخل المجتمع، وخصوصا بين النساء اللواتي أكثر ضعفا وقترا وتهميشا، مما يضعف من مصداقية هذه الحركات ويقلل من نسبة المؤيدين والداعمين لها على مستوى القاعدة.
  • هناك قناعة بأن الجمعيات والمؤسسات النسوانية لم تبذل الجهد الكافي لبناء التحالفات والشبكات المحلية والإقليمية والدولية الفعالة فتشتت مجهوداتها وأخذت طابعا فرديا ومؤسساتيا محدودا مما أضعف من قدرتها على إحداث التغيير المنشود، اللهم إلا ما يقوم به إتحاد نساء المغرب من مبادرات متميزة أخذت طابعا إقليميا وقاريا ودوليا.
  • عدم استقطاب عناصر جديدة وشابة، أدى إلى عزوف الكثيرين من الفتيات والنساء النشيطات الانخراط في هذا الحراك الديمقراطي والمجتمع المدني .

  وفي الختام أقول إننا نريد من هذه المرحلة أن تكون واضحة المعالم، لأن المرأة المغربية ينتظرها كثير من المصاعب والتحديات، التي يجب التعاطي معها بحكمة وبرؤية إستراتيجية لعبورها إلى بر الأمان، وضرورة مشاركتها في عملية الإصلاح والتحول الديمقراطي للبلاد، بشكل تندمج معه حسب وضعيتها الخاصة، فصلاح المرأة أمر ضروري لكل نهضة ورقي.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *