الخميس , سبتمبر 16 2021
الرئيسية / آراء / الريع الثقافي؛ من وحي مهرجان الفيلم الوطني بطنجة

الريع الثقافي؛ من وحي مهرجان الفيلم الوطني بطنجة

mohamedمحمد المساوي :

إلى روح فقيد الشعب المغربي إدريس بنعلي.

من خلال متابعتي لفعاليات المهرجان الرابع عشر للفيلم الوطني بطنجة، عنّت لي ملاحظة طَرحتْ لديّ أكثر من سؤال، وفحوى هذه الملاحظة؛ أن العديد من المنتسبين للحقل الثقافي والصحافي ولّوا وجوههم شطر عروس الشمال للاستفادة من ولائم المهرجان. صادفتُ العديد من الكتاب المعروفين والصحافيين المشهورين يتنقّلون بين سينما “روكسي” وأفخم فنادق المدينة وحاناتها. قد يبدو الأمر عادياً، لكن حينما استقصيت الأمر بدا لي أن العديد من هؤلاء الصحافيين هم الآن لا يعملون مع أية مؤسسة صحافية، مما يعني أن حضورهم ليس من باب التغطية الإعلامية للمهرجان، بل لغرض آخر ولسبب قد لا نفهمه نحن السّذج؟ كما صادفت مثقفين لا علاقة لهم بالسينما ولا بالنقد السينمائي، لكن مع ذلك هم حاضرون يستفيدون من ولائم المهرجان…

ثمة من هؤلاء من تربطه علاقة “حميمية” مع “مول الشكارة” الذي يستأثر بحق “الإفتاء” في السينما المغربية، وثمة من يشهد لهم التاريخ أنهم قدموا “خدمات جليلة” للدولة المغربية من خلال مشاركتهم في تدبيج ما سُمّي بتقرير الخمسينية، وكذا مساهمتهم الفعّالة في تبييض وجه الدولة عبر هيئات ومجالس أُنشئت لهذا الغرض، مما يعني أن سرّ تواجدهم هو أنّ الدولة تكرّم خدامها الأوفياء من خلال تمكينهم من الاستفادة من ريع المهرجانات المتخمة ب”البريستيج”، هذه المهرجانات التي تُستخلص تكاليفها من أموالنا نحن دافعي الضرائب.

بعد كل الذي لاحظته، منه ما ذكرته أعلاه ومنه ما تغاضيت عن ذكره عملاً بقاعدة “وما خفيّ كان أعظم”، تذكّرت النقاش الذي جمعني أكثر من مرّة بالعديد من أصدقائي ورفاقي حول مساهمة كلّ من المثقف والفنان والصحافي المغاربة في معركة التغيير، ولماذا هذا الاستنكاف عن إبداء الرأي

ومواكبة اللحظة التاريخية بما يستلزم ذلك من مسؤولية ونكران للذات. كنتُ أناقش أصدقائي فنقارن حالة تونس ومصر مع حالتنا، فنجد بوناً شاسعاً جداً في طريقة تعاطي المثقفين مع الحراك؛ في مصر وتونس كان ثمة قطاع واسع من الصحافيين والفنانين والمثقفين الذين اختاروا منذ البدء الانحياز إلى معركة التغيير، بل منهم من لعب دوراً محورياً في التعبئة للثورة وحمايتها من سهام التشهير التي أطلقتها الأنظمة القائمة، على سبيل المثال لا الحصرّ؛ الفنان المصري خالد الصاوي نزل إلى ميدان التحرير منذ اليوم الأول، ولم يبق في منزله حتى يرى إلى أين ستميل الكفة، بل نزل في اليوم الأول متأبطاً أشعاره، يلقيها أمام الجماهير لتحميسها وإعطاء الثورة بعدها الفني والإنساني الجميل …

في المغرب لا ننكر أن ثمة فنانين ومثقفين كانوا مع التغيير، لكن للأسف جلّ هؤلاء كانوا مع التغيير بقلوبهم لا بمساهماتهم المباشرة كما فعل خالد الصاوي ورفاقه، أو كما حدث في تونس حيث فرق مسرحية بأكملها نزلت إلى اعتصام القصبة، وكذا أصوات غنائية شاركت في الاعتصام وأدت أغاني حماسية في الهواء الطلق. وما يصدق على الفنانين يصدق على المثقفين والصحافيين، نفس الوضعية؛ في مصر أصوات ثقافية شهرت بمواقفها القوية حتى قبل 25 يناير مدعمة للحراك ومشاركة فيه، كانت هناك عملية تململ حقيقي تمّ على أساسه الفرز بين المواليين للنظام والموالين للتغيير، سواء في المجال الصحفي أو الفني أو الإبداعي والثقافي. عكس عندنا في المغرب ظلت “حكمة” عدم وضع البيض في سلّة واحدة هي السائدة، حتى من كان هواه مع التغيير ظل يتعامل بمنطق سلّم تراتبية تغيير المنكر في الحديث المشهور “فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، كذلك كان شأن أغلب من يمكن عدّهم في صفّ معركة التغيير . أمّا في الجهة الأخرى المعادية للتغيير فكانت تؤم الغالبية الساحقة، وانبرى أغلبهم للقيام بدور تنظيف إسطبلات “أوجياس” من الروث العالق بها منذ ما ينيف عن الخمسين سنة وليس الثلاثين فقط كما في الأسطورة. لذلك لم يكن من الغريب أن تجد مثقفاً حداثياً متشبعاً بحداثته حتى النّخاع، لكنه في الوقت نفسه يدافع بكل ما أوتي من قوة عن الملكية التنفيذية، وأن يدافع عن علمانية الأفخاذ العارية والتنانير القصيرة مقابل وقوفه ضد علمنة الحقل السياسي. إن هذه الشيزوفرينا الثقافية التي أصابت مثقفينا الحداثيين مردّها إلى سلطة الريع الثقافي التي

أضحت هي العملة الرائجة. وتدفع المثقف حين صياغته لموقفه إلى التأرجح بين قول الحقيقة وبين سلطة المائة دينار التي تنتصر غالباً.

إن من أعطاب التغيير في وطننا شيوع ثقافة “أعطيه مائة دينار”، لم يسلم من هذه الثقافة أي قطاع؛ من السياسة إلى الثقافة والرياضة والفن والتعليم والتشغيل… دائما منطق الريع هو السائد هو المتحكّم أماّ الكفاءة فلا تحضر إلاّ بوصفها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. لذلك يقلّ وجود أصوات ثقافية حرّة، وفي حال وجودها فإنها لا تسلم من الضغوطات التي تنهال عليها من كلّ حدب وصوب بهدف محاصرتها ودفعها إماّ للتراجع، أو على الأقل لتوريطها في معارك هامشية استنزافية لدفعها للارتكان إلى الصمت وهجرة الفضاء العمومي، كما فعلوا مع المهدي المنجرة مثلاً. في المقابل ثمة تعاظم كبير لأعداد كَتَبة التبرير وعشاق الولائم.

 

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

علي قمري : لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *