الخميس , سبتمبر 23 2021
الرئيسية / آراء / القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

القاعدة المتينة لبناء الدولة الإسلامية

ali qamariعلي قمري :

لاشك أن كل قاعدة لابد لها من أسس، ولن تكون هناك قاعدة متينة إلا بأسس متينة، فقاعدة الإسلام بكل ما تقتضيه من متطلبات في ساحة الدعوة والتربية والجهاد؛ تحتاج إلى صبر دؤوب،وثقة راسخة، ويقين صادق.

كل هذا يعتبر خطى على تأسيس القاعدة وتنظيمها وفق الشرعية الإسلامية، ورأينا من خلال النظر إلى الواقع أن هذه القاعدة يعتريها نقص في الفهم الواعي لحقيقة الإسلام، وفي التربية المتجذرة في قلوب الناس، وتطبيقها على طريق الدعوة.

وإذا تأملنا الخطى التي بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم لبناء القاعدة الصلبة الأولى نجد أنها انطوت على مسألتين أساسيتين: مسألة التربية والدعوة ومسألة  الدفاع والجهاد، إلى أن انتهت رحلة الصحابة في رياض الصفوة المختارة بالاستخلاف والتمكين، ولم يتأت ذلك إلا بالأسس المتينة التي بها بنيت القاعدة و شيدت، ولم تؤت هذه القاعدة ثمارها إلا بعد صبر طويل استمر سنوات من الزمان.

إن القاعدة الإسلامية ليست كباقي القواعد الحضارية الأخرى التي هوت من قمة الازدهار إلى سراديب الاضمحلال، ولكنها قاعدة لها جذورها كلما يبس جذع إلا وأينع آخر؛ وذالك لارتباطها بالله سبحانه، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذالك”#

إن القاعدة الإسلامية هي التي تكلفت في إرواء العصبة المؤمنة، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الذين أحللوه من قلبهم موقع السويداء، وقام لهم في عامة أدواء نفوسهم مقام الدواء، وشرعوا في احتواء مفاصل القاعدة وبناء أركانها، فاكتملت بذلك في العهد المدني، واستمرت الدولة الإسلامية على نهج القاعدة الأولى، فاستدار الزمان كهيئته يوم أن تمزقت أمة الإسلام، وتشتتت، وتشرذمت، وحادت عن المنهج القويم إلى اتباع بنيات الطريق، وانحرفت عن الجادة.

والعبرة من هذا كله؛ أن يقتدى بالقاعدة الأولى، ثم النظر إلى ما آلت إليه الأمة من تخلف مظلم، وهزيمة منكرة؛ من أجل إعادة الاعتبار لها ولموقها بين أمم الأرض جميعا.

إن العصبة المؤمنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلوا جهدا كبيرا في ترسيخ الدعوة المحمدية، وإزالة الغربة الأولى، وتحطيم الجاهلية الطاغية. هذا الجهد من أناس عاشوا في كنف النبوة، وسمعوا القرآن غضا طريا.

 

ولإعادة القاعدة على ما كانت عليه في صدرها الأول؛ لابد من مضاعفة الجهود من قبل طلائع البعث الإسلامي عساها تعوض شيئا من ذلك الهوان الذي امتد زمنا طويلا. وهذا الأمر ليس تطوعا ولا نافلة، إنما هو الواجب المحتم على هذه الفئة لهدم الغربة الثانية، وإزالة الجاهلية الثانية الضاربة الأطناب، ولتحقيق ذلك لابد من السير على نفس المهيع الذي اتخذه الجيل الأول. وسنة الله أن لن يتكرر مثل ذلك الجيل، ولكن القدوة ثابتة لا يمكن أن تمحى عن الواقع.

 

إن إرساء القاعدة يحتاج إلى التضحية بكل شئ من أجل هذا الدين؛ لاسيما وأنها تواجه جاهلية أعتى من الأولى، وأنظمة أقوى من سابقتها، فالجاهلية الأولى رغم وصولها إلى ذلك الطغيان الذي أتى على الأخضر واليابس؛إلا أنها لم تبلغ الذروة التي بلغتها الجاهلية الحديثة؛ لأنها كانت تفتقر إلى شئ تستند إليه الجاهلية المعاصرة وهو العلم.#

 

و العلم ليس شرا في ذاته، وإنما يكمن خيره وشره في العقول والأيادي التي تستعمله وتستغله، فراحت الجاهلية المعاصرة تفتل وجهها عن كل وسيلة إلى الأخلاق والعقيدة، ففصلت العلم عن العقيدة والأخلاق، واستعملت هذا العلم لتدميرها، وكان وراءه هدف وغاية؛ وذلك بمساهمة اليهود في إفساد المجتمعات الأوروبية؛ ومن ثم تعميمه على جميع الشعوب.

 

بهذا العلم المتطور ظهرت وسائل تتيح للجاهلية الإطاحة بالقيم، وتدوين الفساد على أرض الواقع؛ ليكون منهجا للفرد والمجتمع.

 

إذن؛ ما هو عمل الحركة الإسلامية# إزاء المؤامرات الغربية التي تحاك ضد المسلمين في العالم؟

 

هل تستسلم القاعدة الإسلامية  للضغوط العالمية؟

 

هل تفشل الحركة الإسلامية أمام القوة العالمية؟

 

الاستسلام هو لب الهزيمة، والفشل هو جوهر الضعف، وأمة الإسلام أمة قوية، أمة مستعلية بدينها، وعقيدتها، وثقتها في الله، أمة الإسلام أمة عمل واجتهاد، لا أمة خضوع واستكانة، فقد تغفو الأمة، لكنها لا تموت، وقد تتعثر، لكنها لا تسقط.

 

لكن؛ ما الحل للخروج من الأزمة؟

 

إذا رجعنا إلى صدر الكلام في ذكر النقص الذي يعتري هذه القاعدة؛ عرفنا الحل. إذا تجاوزت العصبة المؤمنة هذا النقص وصرفته عن طريقها استطاعت أن تحول بين كل جاهلية وبين بناء القاعدة.

 

ببناء القاعدة واكتمالها يحصل التمكين ويظهر النصر بإذن الله، وإذا كانت هذه القاعدة تقوم بمهامها الخاصة على طريق الدعوة والجهاد؛ فلا بد من تقويم المسار الذي تسير وفقه، والوقوف مع الخلل في المسألتين المذكورتين في أول الكلام.

 

لكي تكون هناك قاعدة قوية يصعب زعزعتها؛ عليها أن تقوم بوظيفتها في إيصال الفهم الواعي لحقيقة هذا الدين عن طريق التربية والدعوة، ففي هذا الإطار؛ لا يزال الإشكال قائما في مجموعة من المسائل التي يؤطرها الإسلام في إطار الفقه الشامل لقواعده وأصوله، فلا زالت قضية لا إله إلا الله لم تتبلور بعد، فالمجتمع يعرف فصاما نكدا في هذه القضية.

 

إن أول ما دعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد؛ بكل أنواعه، وأول قضية عالجها النبي صلى الله وسلم هي قضية لا إله إلا الله، فكان همه الأول هو غرس عقيدة الكلمة في القلوب؛ فبصلاح العقيدة يتم صلاح الأمور كلها، فكذلك ينبغي أن تكون الدعوة الآن، فلئن كانت هناك فئة قد استمسكت بها قولا وعملا؛ فهناك فئات كثيرة تعرف غبشا وغموضا في مفهوم الكلمة، وفي الإتيان بكل مقتضياتها؛ خاصة ما يتعلق بمسألة إفراد الله تعالى بالسيادة والحاكمية، ونبذ شرك الطاعة والاتباع.

 

هذه هي الخطوة الأولى على طريق البناء والتحصيل!!!

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مرب عرفته البشرية، فقد ربى أصحابه على مكارم الأخلاق، ومراقبة الله في كل سكناتهم وحركاتهم، وهذه التربية هي التي أفرزت الجيل القرآني الفريد الذي استطاع أن يكون منهجا إسلاميا يستضئ بنوره الحاضر واللاحق، هذا المنهج لم يبعد عن مساره العقيدة في يوم من الأيام؛ لأن العقيدة لا ينتقل منها إلى غيرها، وإنما ينتقل معها إلى غيرها.

 

علاوة على ذلك؛ فإنه لا ينبغي أن يهمل شئ في الإسلام، لأن الإسلام دين توازن؛ فهو يوازن بين الروح والجسد، بين الفرد والمجتمع، بين الدين والآخرة، بين العقيدة والأخلاق.

 

وهو دين تكامل كذلك، لا يقبل من أي أحد أن يعمل بجزء منه دون الآخر، بل يريد منه أن يتكامل تصورا وعملا، اعتقادا وسلوكا، فلا استقلال لمجال عن الآخر، وهو دين يشمل النشاط البشري كله.

 

إن الفكر ليس بشئ في ميزان الإسلام استقلالا، والتدبر وحده ليس في ميزان الإسلام شيئا إن لم يتحول إلى فهم، فكل جزء من الإسلام وحده لا يكفي لإقامة القاعدة ما لم يوحد بالجانب الآخر.

 

إذا سرنا على هذا النهج لفهم حقيقة الإسلام، إلى جانب المنهج التربوي؛ دون انفصال أحدهما عن الآخر، حينئذ تكتمل القاعدة، ويكون المسلمون آنذاك على أتم الاستعداد لمواجهة أي خطر، أو عدو، أو طاغوت، (ولينصرن الله من ينصره, إن الله لقوي عزيز) #

 

ولنفترض جدلا أن كل ذلك تحقق- وإن كنا نعتقد أن الصحوة الإسلامية قد قطعت طريقا طويلا في ذلك- واستطاع المسلمون أن يتولوا الحكم في بلد من البلدان؛ هل سيثبتون على دينهم، وعلى تطبيقه حين ترتكب الجاهلية وحشيتها من حصار اقتصادي، أو تهديد عسكري.

 

هدا من جانب؛ ومن جانب آخر؛ هذه الألوف المؤلفة؛ بل الملايين المملينة من الشباب وغيرهم من العلماء الربانيين؛ هل يثبتون على عقيدتهم وتصوراتهم ودعوتهم في الأرض إذا  مارست الجاهلية ضغوطها من التنكيل والتعذيب والاعتقال في السجون والمعتقلات، أم أنها ستفقد حماستها وانتفاضتها.

هنا تكمن قوة القاعدة. إن الدعوة التي يقدم لها الدم لا تموت، إنها سنة كونية قدرية؛ سنة الله التي لا تتبدل.

ما الدليل؟!!

دعوة الرسل عليهم السلام، فموسى عليه السلام لاقى هو وقومه من فرعون وملأه ما لو لقيه بعض الخائنين اليوم لارتدوا على أدبارهم نفورا، لكن دعوته لم تمت، وتم له النصر في نهاية المطاف، نصر من بعد نصر، لأن النصر لا يتجلى أثره في التمكين والسيطرة فقط، إنما يتخذ أشكالا وصورا متعددة، فقوم موسى لم يصلوا إلى النصر المحقق تمكينا إلا بعد أن ضفروا بنصر الثبات، فهذا ضرب من ضروب النصر، وللأسف فإن ذلك يخفى على كثير من المسلمين في هذا العصر؛ مما ولد في نفسيتهم هزيمة نكراء.

يتساءل بعضهم: ألم يعد الله المؤمنين بالنصر؟

بلى!!!!!

يقولون: لكن أين النصر والمسلمون مضطهدون في كل مكان، حرب ضروس على الثوابت، ممارسات بشعة في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها هنا وهناك وهنالك.

وهنا يأتي دورنا لنسأل: ألم يعد الله قوم موسى بالنصر والغلبة؟ قال الله تعالى:( قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما أنتما ومن اتبعكما الغالبون )#

ولكن؛ أين الغلبة في بادئ الأمر وسحرة فرعون الدين اتبعوا موسى، وآمنوا به قد صلبوا وقتلوا؟

النصر في هذا المقام هو نصر الثبات، ثبات سحرة فرعون على الإيمان ( قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون, إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين )#

فهذا هو النصر الأول، ثم أعقبه النصر الأكبر الذي هو الاستخلاف في الأرض، وتحقق وعد الله ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا, قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون )#

(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)#

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم, ألم يعد الله رسوله وأصحابه بالنصر؟

فأين النصر وقد لاقى المسلمون في مكة ما لاقوه من تعذيب وقتل وحصار؟

إن النصر في هذه النوازل كلها هو انتصار المبدأ على الواقع، انتصار العقيدة، فكل هذه المكائد الكفرية لم تحلحل قلوب المؤمنين الصادقين عن دينهم، وفي آخر الطريق حصل التمكين والنصر بوعد من الجليل القدير، فانضوى الكل تحت لواء الإسلام الرفيع.

وهكذا يمتد بنا التطواف إلى أصحاب الأخدود؛ الذين سحقوا عن بكرة أبيهم، ورموا في الأخدود المتأجج بالنيران الملتهبة على مرأى من الطغاة الجبابرة، فكان ظاهر الأمر أن الطغاة هم الغالبون والموحدون هم المغلوبون.

بيد أن هنالك إحساسا راود أولئك الظالمين يخبرهم أن المؤمنين هم الغالبون؛ لظهور الدين واستعلاء الإيمان؛ الذي لم يكن له وجود ولا أثر في حياة أولئك.

وإذا تأملنا واقعنا المعاصر؛ نجد أن الصحوة حققت هذا النصر المهيب على أرض الواقع؛ رغم كل العوائق التي تقف في طريقها، فالقاعدة الإسلامية اتسعت رقعتها، وأصبح الناس ينضمون إليها زرافات ووحدانا، فهناك لماليم ململمة من المسلمين أدركوا حقيقة المصير؛ بالرغم من كل هذه الابتلاءات وهذا هو النصر الأول.

لقد قطعت العصبة المؤمنة شوطا كبيرا في تحقيق النصر ولكنها تعجلت الطريق، فالمشوار طويل، ولابد من الصبر والمصابرة، ولا مناص من تحقيقه؛ لتستحق بعد ذلك التمكين بوعد الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونختم بكلام الأستاذ محمد قطب عن شروط التمكين: ” لقد بين الله لنا طريق التمكين: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم، يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين، يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال)# .

فتلك شروط أربعة في أربعة آيات متواليات من سورة واحدة، تبين الشروط الأساسية للنصر: وجود مؤمنين صادقي الإيمان، متآلفة قلوبهم، متجردين لله، مستعدين للقتال حين تقتضي ذلك ظروف الجهاد.

فإذا نظرنا إلى واقع الدعوة في ضوء هذه الشروط؛ فسنجد ولاشك أننا قطعنا شوطا، ولكننا استعجلنا الطريق “#.

 

عن freerif

شاهد أيضاً

الإسلاميون المغاربة ومنهجية التدليس.. ذ. عبد الكريم القلالي نموذجا

محمود بلحاج* : إن القارئ الواعي، والناقد الحصيف، يستطيع من خلال تتبعه للخطاب الإسلامي بوجه …

النّضال الجماهيري المُشترك.. هل نعمل كجماعات أم كأفراد؟

عبد الرحمان النوضة : كيف نعمل في إطار ”نِضال جماهيري مُشترك” (مثل ”حركة 20 فبراير”) …

الأمير الخطابي: جدلية الفكر التحرري، السياسي والإنساني

وكيم الزياني :    من خلال هذا المقال المتواضع، أقول متواضعا، نظرا للشخصية التي سأتناولها فيه …

تخليق منظومة العدالة و استقلال السلطة القضائية: مدخل أساسي لحماية الحقوق و ضمان الحريات ـ قراءة في واقع الحال-

إبراهيم مومي *:     تعتبر المؤسسة القضائية أو المرفق القضائي من أهم المرافق العمومية في الدولة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *